فهرس الكتاب

الصفحة 6959 من 9994

وهذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، وقوله: (كصيِّب) : الكاف للتشبيه أي: مثل صيب، والصَّيِّب هو المطر، كما قاله جمع من علماء السلف والخلف، وقيل السحاب، والأول أصح وهو قول الجماهير..

قوله: (فيه ظلمات) : أي ظلمات الشكوك والكفر والنفاق، وقوله: (ورعد) وهو ما يزعج قلوب المنافقين من الخوف؛ لأن المنافقين (يحسبون كل صحية عليهم) فكل خبر ونبأ يتوهمون أنه واقع بهم، وأن كل مصيبة تحل بهم؛ فلهذا هم في خوف دائم، وقلق مستمر؛ بسبب عدم الصراحة، فلا إيمان صادق.. ولا كفر واضح! لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وقوله: (وبرق) وهو نور القرآن العظيم والوحي الشريف، الذي يلمع أحياناً في قلوبهم، ولكن سرعان ما يذهب بسبب عدم قابلية المكان..

قال ابن القيم -رحمه الله-: ( ثم ضرب الله -سبحانه- لهم مثلاً آخر مائياً فقال: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ} فشبه نصيبهم مما بعث الله به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من النور والحياة بنصيب مستوقد النار التي طفأت عنه أحوج ما كان إليها، فذهب نوره، وبقي في الظلمات حائراً تائهاً، لا يهتدي سبيلاً، ولا يعرف طريقاً، وبنصيب أصحاب الصيب، وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من علو إلى أسفل، فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وشبه نصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيب، من حياة البلاد والعباد، والشجر والدواب، فإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق، ولوازم ذلك: من برد شديد، وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام، هكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب، وهذه حال أكثر الخلق إلا من صفت بصيرته) .7

قال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-: (وشبه الله -تعالى- في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق.. فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به، وقيل: مثَّل الله -تعالى- القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحياناً أن تبهرهم هو البرق، والصواعق مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل، وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما) .8

وقوله -تعالى-: (حذر الموت) حَذَرَ: منصوب؛ لأنه مفعول لأجله، أي: سبب جعلهم أصابعهم في آذانهم من الصواعق؛ لأجل خوفهم من الموت.

وقوله-تعالى-: (والله محيط بالكافرين) أي لا يجدي عنهم حذرهم ذلك، فإنهم لن يفوتوه ولن يفلتوا من قبضته وقهره -سبحانه-، وكما قال -تعالى- في الآية الأخرى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ} (19-20) سورة البروج، فلا ملجأ منه إلا إليه تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره.

قوله-تعالى-: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) أي يقارب البرق من قوة لمعانه وشدة إضاءته أن يخطف أبصارهم، والخطف: الأخذ بسرعة.. والمقصود أن حجج القرآن وبراهينه الساطعة تكاد تبهرهم.. ومن جعل البرق مثلاً للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم.9

وقوله: ( كلما أضاء لهم مشوا فيه) أي كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزلت من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه (قاموا) أي ثبتوا على نفاقهم، قاله ابن مسعود وقتادة -رضي الله عنهم- قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (11) سورة الحج.

وقوله -تعالى-: ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم) أي ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام، بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم.10

حكم عظيمة:

اشتمل المثالان السابقان على حكم عظيمة:

الأولى: أن المستضيء بالنار مستضيء بالنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة.. وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه وتصديق جازم كان ما معه من النور كالمستعار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت