إنَّ واقعنا اليوم لا يحتاجُ منَّا إلاَّ أن نكونَ رجالاً، بل أن يكونَ نساؤنا وأطفالُنا كالرجالِ في الثباتِ والعطاءِ والفداء .
ومن الرجولةِ أن نكونَ أفراداً وجماعات، كالبنيانِ المرصوص، كما يحبُ الله، فأين بُنياننا؟ أين الذلةُ على المؤمنين مع العزةِ على الكافرين ؟ أين فريضةُ التعاون على البر والتقوى؟ أين سجيةَ التراحمِ والتناصحِ والتسامح ؟ أين إخباتُنا وخشوعنا وضراعاتنا إلى الله ومجافاة الهجوعِ بالدعاءِ والرجاء ؟ .
أين دعمُنا للصامدين من الصابرين الذين يُدافعون نيابةً عنَّا، ويُخففون الإثمَ عن كواهلنا ؟ ويدفعون الشر عن أبوابنا ؟ .
أين برامجُنا في أحوالِ السلامةِ لمواجهةِ أيام الخطر ؟ أين جُهدنا في بلدانِ الرفاهيةِ والأمن لدفعِ الجوعِ والخوفِ عمن ابتلاهم الله وعافانا ، وقدَّرَ عليهم رزقهم وأعطانا؟ .
هل حدَّثنا أنفسنا بالغزوِ حتى لا نموتَ على شعبةٍ من النفاق؟ أم تحدثنا نفُوسنا هي بالشهوات واللذائذِ والغرائزِ والنزوات بدلاً من الغزوات ؟ أين جهادُ الروحِ ورحُ الجهاد والاستشهادِ في ذواتنا وذرياتنا ؟ أين نماذجُ الفداءِ والعطاءِ في زوجاتنا وإخواننا وبناتنا عند نزولِ الجدِّ ونزول الخطب ؟
أعداؤنا استعدوا بالدينِ الباطل لنا، فهل استعددنا بالدينِّ الحقِّ لهم ؟ أعداؤنا يطرقون أبوابنا وبأيديهم التوراة وإنجيل محرفتان؟ فهل أوصدنا تلك الأبوابِ وصددنا ذلك الطغيان وبأيدينا السنةُ والقرآن ؟ هل استعدت الأمةُ جميعاً لأعدائِها فتركت الترف؟ وجانبت البذخ؟ وشكرت نعم اللهِ؟ أم إنَّها نظرت معيشتها ولا زالت تشدُّ الرحال إلى مسابقاتِ ملكات جمال الإبل؟ .
أسئلةٌ تطرحُ نفسها، والجوابُ نملكهُ لا غيرنا .
وأخيراً إلى الدعاة والمصلحين والواعظين، نداءً بأن يستثمروا حالَ الأمةِ وصراعها مع أعدائها في استنهاض الهممِ والطاقات، وإحياءِ الغيرةِ في النفوسِ، وتشجيعِ جميع المسلمين كبيرهم وصغيرهم ذكرَهم وأنثاهم لبذلِ المعروف، والدعوةِ إلى الله والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى المقصرين بل والعصاة.
ومن استثمارِ الأحداث، إحياءُ وعي الأمةِ بحقيقة المعركة التي تواجَّهُ ضدها، من الصليبية، وأنصارهم، وأنَّها حربٌ عقديةٌ وأخلاقية، مع بيانِ سبيل النهوضِ والعزة، وأنَّهُ بالعودةِ الصادقةِ إلى دين الله .
وإلى الأمةِ جميعاً لا يهولنَّكم هذا الجمعُ الدولي، ولا يهولنَّكم تواطؤ أممُِ الأرض عليكم، ولا تهولنَّكم أممُ الكفر بقواتها العسكرية، وترسانتها الجوية ، فإنَّ قوتهم لا تساوي شيئاً أمامَ قوةِ الله تعالى، جبَّار السماوات والأرض، وقديماً كان أسلافنا يَرون طائراتُ أعدائهم فلا يفزعون، فإن رأوا مفزوعاً قالوا لهُ: أهي تحت اللهِ أم فوق الله ، وبهذا التوكلُ الصادق نصرهم الله .
لا يهولنكم ذلك الإرجافُ الإعلامي، الذي طغى ضجيجهُ في كلِّ مكان، فإنَّما ذلك من تخذ يل الشيطان أولياء، (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ) (آل عمران:173)
وإننا على يقينٍ راسخٍ بأنَّ النصرَ متحققٌ لهذه الآية، إن عاجلاً أو آجلاً، (( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) ) (القمر:45) .
وكيف تُهزمُ أمةٌ يُؤمنُ رجالها بأنَّ ريحَ الجنةش يفوحُ عبيرهُ بين الصفوف فيتتبعون الموت مظانه، مُقبلين غيرَ مدبرين ، وكيف تُهرمُ أمةٌ يُؤمنُ شبابها بأنَّ الاستشهاد في سبيلِ الله هو طريقُ الحياةِ والعزِّ والتمكين ، وكيف يتجرأُ الأعداءُ على أمةٍ يحبُّ شبابها الموت كما يحبُّ الأعداءُ الحياة، لستُ أعني بالشباب الجبناءَ أمثالي، ولا الناعمين المترفين الذين يُنافسون أخواتهم على أدوات التجميل، ولكنهم الشباب المؤمنون بالله، الغيورون على أمتهم ووطنهم .
إنَّ أولَ مراحلِ النصر: الانتصارُ على النفسِ وطردَ الخوفِ من القلب، فحاربَ الخوف، فما دبَّ الخوفُ في قلبٍ إلاَّ تصدعَ كيانه، ونزلت أركانه، وكلُّ كريهةٍ تُرفعُ أو مكرمةٍ تكتب، لا تتحققُ إلاَّ بالشجاعةِ وبقوةِ القلب، يقتحمُ المرءُ الأمورَ الصعاب، ولن يسلبَ الخوفُ من القلبِ إلاَّ بصدق اليقين والإيمان، (( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ ) ) (الجن: من الآية13) .
وأهلُ التوحيد الخالص هم أعظمُ الناسِ قوةً وثباتاً ، وكيف يخافُ وأمَّنهُ اللهُ وهداه، (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ) (الأنعام:82)
فما وجلت قلوبهم، ولم تكن كأخرى*** لها مرهدة، الرعبُ زلزال
رجالٌ سارَ الإيمانُ ملءَ نفوسهم، *** فلا الجبنُ منجاةٌ ولا البأسُ قتَّال،
ولا الموتُ مكروهٌ على الفردِ ورده *** ولا العيشُ موردهُ إذا خيف إذلال
تداعوا فقالوا حسبنا الله إنَّهُ *** لما شاءَ من نصرِ الهُداةِ فعَّال
اللهمَّ أدم لبلادنا أمنها وإيمانها، واحفظ لها علماءَها ودعاتها، ووفق حُكامها ودعاتها،
اللهمَّ صل على سيدنا محمد وعلى آله وصلى الله عليه وسلم .
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. )) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (( [آل عمران:102] . ) )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (( [النساء:1] . ) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (( [الأحزاب:70-71] .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أيَّها المسلمون: فغيرُ غائبٍ عن البال ما كان يعيشهُ العربُ إبّان العصورِ الجاهليةِ الغابرة، من الفسادِ العقدي، والانحلالَ الأخلاقي، والتشتتَ الأسري المُريع!
فعبادةُ الأوثان، وتقديسُ الأصنام، سمةٌ بارزةٌ لعربِ الحجاز والجزيرةِ آنذاك، وتعاطي الفواحش، وشُرب المُسكرِ، كان محلُ حفاوةَ المجتمعِ وترحيبه,