الحمد لله الذي افترض حج بيته الحرام على عباده؛ فشدوا إليه رحالاً، ودعاهم لقربه فما استبعدوا في حبه بعيداً، ولا استهولوا أهوالاً، وفارقوا في حبه ورضاه أهلاً ومالاً، ورفرفت قلوبهم تنشر أشواقاً وتطوي رمالاً:
روح دعاها للوصال حبيبها فسعت إليه تطيعه وتجيبه
يا مدعي صدق المحبة هكذا فعل الحبيب إذا دعاه حبيبه
وصلى الله وسلم وبارك على خاتم أنبيائه، وعاقِب رسله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين (1) . أما بعد:
المواقيت:
المواقيت جميع ميقات وهو في اللغة: الحد. وفي الاصطلاح: هو موضع العبادة وزمنها. قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} (103) سورة النساء.
واعلم أيها الحاج الكريم أن المواقيت بالنسبة للحج والعمرة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المواقيت المكانية: وهي خمسة بتوقيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع اختلاف في ذات عرق هل هي بتوقيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو هي بتوقيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. فإن كان الأول فالمواقيت التي وقتها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، تكون خمسة، وإن كان الثاني فهي أربعة، وإليك بيانها جميعاً:
الأول: ذو الحليفة: وهو ميقات أهل المدينة، ومن أتى على طريقهم، ويسمى الآن أبيار علي وتبعد المسافة بين ذي الحليفة ومكة 420 كليو متراً، فهو أبعد المواقيت عن مكة.
الثاني: الحجفة: هي ميقات أهل الشام وهي قرية خراب تلى رابغ مما يلي مكة، والناس اليوم يحرمون من رابغ، وتبعد عن مكة 186 كليو متراً، ويحرم منها أهل شمال المملكة العربية السعودية ممن يأتي عن طريق الساحل، وساحل المملكة الشمالي إلى العقبة، ويحرم منها بلدان إفريقيا الشمالية والغربية، وأهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ردها الله إلى أيدي المسلمين إنه سميع قريب.
الثالث: قرن المنازل: هو ميقات أهل نجد ومن أتى على طريقهم من الجهة الشرقية، كأهل الخليج العربي وغيرهم ممن يمرون على هذا الميقات، ويسمى اليوم (السيل الكبير) ويبعد عن مكة 78 كيلو متراً، ومثله وادي محرم الواقع في الهدى في الجهة الغربية من الطائف، فهو ميقات نصاً، لا محاذاة، وقد صدرت الفتوى باعتباره ميقاتاً نصاً لا محاذاة من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية رحمه الله، وسبب كونه ميقاتاً نصاً هو أن وادي محرم يعتبر هو ابتداء السيل الكبير، ويشمل وادي محرم الذي في طريق الهدى بالطائف، أيضاً والله أعلم.
الرابع: يلملم:وهو ميقات أهل اليمن، وهو واد عظيم ينحدر من جبال السراة إلى تهامة ثم يصب في البحر الأحمر، ويبعد عن مكة مسافة 120 كيلو متراً.
الخامس: ذات عرق: هي ميقات أهل العراق وتقع عن مكة شرقاً بمسافة قدرها 100 كيلو متراً، وهي الآن مهجورة لعدم وجود الطرق عليها، وقد اختلف في ذات عرف هل هي ميقات بنص النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو هي ميقات على سبيل المحاذاة حيث ورد ذلك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- موقوفاً عليه وتكون بهذا الاعتبار محاذية لقرن المنازل ( السيل الكبير) .
والأظهر والأقرب أن ذات عرق ميقات نصاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لثبوت ذلك مرفوعاً، وقد صدر في الوقت الحاضر قرار من هيئة كبار العلماء بتعيين ذات عرق وتحديد موقعها، وجميع هذه المواقيت وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة) (2) .
وقد جمع بعض الفضلاء هذه المواقيت في شعر:
عرق العراق يلملم اليمن وذو الحيفة يحرم المدني
والشام حجة إن مررت بها وأهل نجد قرن فاستبن
ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فإن ميقاته مكانه الذي هو فيه فيحرم منه، وأهل مكة يحرمون من مكة للحج والعمرة، فإنهم يحرمون من أدنى الحل، كما هو رأي جمهور أهل العلم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تحرم لعمرتها من التنعيم.
ومن كان طريقه يميناً أو شمالاً من هذه المواقيت، فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، ومن كان في طائرة أو سفينة فإنه يحرم كذلك إذا حاذى الميقات، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات فإذا حاذاه أحرم بما يريد من نسك، ولا يجوز تأخير الإحرام إلى أن يتجاوز الميقات (3) .
القسم الثاني من المواقيت: المواقيت الزمانية
وتبتدئ المواقيت الزمانية بدخول شهر شوال، وتنتهي إما بعشر ذي الحجة، أو بيوم العيد أو بآخر يوم من أيام ذي الحجة وهو القول الراجح لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} (197) سورة البقرة. وأشهر جمع، والأصح في الجمع أن يراد به حقيقته.