فهرس الكتاب

الصفحة 8167 من 9994

قال ابن عطية: ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدو الأصغر ، لأنه أيسر مئونة ، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه ، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه ، وشرع الله الذي بعثه به ، وغلبته على الأمم ، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه ، وقيل: سرورهم إنما كان بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن جبريل أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، قال تعالى بعد هذه الآيات: (( وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) ) (الروم:6-7) .

إن أكثر الناس لا يعلمون ولو بدا في الظاهر لدى عامة الناس أنهم علماء ، وأنهم يعلمون كثيراً من العلوم ، المتعلقة بالإنسان أو الأرض أو الفلك أو غير ذلك من العلوم ، والسبب في ذلك أنهم كما قال الله تعالى: (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ) (الروم: 7) .

وظاهر الحياة الدنيا محدود جداً لا يستطيع البشر استقصائه في حياتهم المحدودة ، فنسبة علمهم كنسبة هذه الأرض إلى غيرها من الكواكب والمجرات ، وهذه الأرض والحياة منها ما هي إلا طرف صغير من هذا الوجود الهائل البعيد من ناحية الزمان والمكان ، والكفار وُصِفوا بأنهم لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ، وذلك لأمور:

أحدها: أن علومهم مادية سطحية ، تتعلق بظاهر الحياة دون سننها الثابتة التي أرادها الله تعالى ، فعلومهم مقطوعة عن خالقهم ، واهب هذه العلوم وخالقها وقدرها ، فلا يعرفون منها إلا قوانينها المادية البحتة ، أما كيف جاءت ؟ ولماذا جاءت ؟ ومن الذي خلقها ؟ فهذا كله هم عنه غافلون .

ثانياً: أنهم في خضم انشغالهم بعلومهم ومعارفهم المادية ومتابعتهم لتطورها في كل يوم ، نسوا قضية بدهية ، لابد أن يفكر فيها كل عاقل ، ألا وهي: ما هي الغاية من خلق الوجود الإنساني ؟ تألموا حضارة عالمية كبرى ، بلغت من التطور العلمي مبلغا عجيبا ، ومع هذا لا يعرف الفرد فيه الجواب الصحيح عن هذه الأسئلة البدهية ، من الذي خلقني ؟ ولماذا خلقني ؟ وإلى أين المصير ؟ وصدق الله إذ يقول عن الكفار مهما بلغ علمهم: (( أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) ) (الأعراف:197) .

وأشهر متخصص في أي فن من الفنون العلمية المادية مادام لا يؤمن بالله على الوجه الحق ، فهو داخل في حكم هذه الآية .

ثالثاً: غفلتهم عن الآخرة والوقوف بين يدي الله تعالى ، للجزاء والحساب ، قال تعالى في ختام هذه الآية: (( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) ) (الروم: 7) .

وإنكار الآخرة والبعث بعد الموت والغفلة عن ذلك ، يؤدي إلى اختلال عظيم في موازين الحياة الدنيا ، وأي إنسان لا ينظر إلا إلى الحياة الدنيا فقط ، فلابد أن يكون علمه سطحياً ناقصاً ، ولا يمكن أن يتصور الحياة بكل ما فيها من أحداث ، وكل ما ينبثق منها من أمور ، لا يمكن أن يتصور ذلك تصوراً صحيحاً ، أما المؤمن بالله واليوم الآخر فيختلف تماماً في ميزانه للأمور ، وتعامله مع الحياة ، ومقاييسه لها ، حتى وهو يبني ويعمر ، ويتقدم في علومه المادية ، فهو يتعامل معها من خلال موازين وسنن ثابتة ، تربط الحياة الدنيا القصيرة الفانية بالحياة الأخرى الأبدية الباقية ، وهذا هو الفرق بين ما تنتجه الأمة الإسلامية المؤمنة من حضارة ، وما تنتجه حضارة العصر الكافرة من حضارة .

وحين نقارن بين الأمتين في هذا المجال يتبين أنه لا يمكن أن يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها ، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ، ولا ينتظر ما ورائها ، لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة ، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ، ولا يتفقان في حكم واحد ، على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون ، فلكل منهما ميزان ، ولكل منهما زاوية للنظر ، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال ، هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا ، وذلك - أي المؤمن - يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن شاملة للظاهر والباطن ، والغيب والشهادة ، والدنيا والآخرة ، والموت والحياة ، والحاضر والماضي والمستقبل ، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء ، وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه ، ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان .

أيها الإخوة في الله: نعم .. لا يمكن أن تلتقي حضارة تبنى على الإيمان بالله واليوم الآخر وحضارة تقوم على الكفر بالله وعدم الإيمان بيوم الحساب .

أيها الإخوة في الله: يا طلاب العلم: أيها الدارسون: أيها المتعلمون في فنون المعرفة: إن الأمة الإسلامية تنتظر منكم علماً نافعاً يغنيها عن غيرها ، تنتظر منكم أن تقوم هذه الأمة بعلمها الشرعي أولا ، وبعلومها الأخرى ، تنتظر منكم أن تتحول هذه الأمة إلى أمة كما عهدناها ، رافعة الرأس ، شامخة تقود الأمم ولا تقاد ، ينظر إليها بعين الرفعة والمكانة ، لا كما هو حالنا اليوم .

اسأل الله تبارك وتعالى أن يوقظ أمة الإسلام ، حتى ترجع إلى دينها رجوعاً صحيحاً ، وحتى تتعلم علومها على منهاج شرعي صحيح ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم ارفع شأن هذه الأمة الإسلامية ، اللهم إنا نسألك أن توفق كل طالب علم إلى منهاج سليم في حياته ، اللهم إنا نسألك الإيمان والعلم النافع ، والعمل الصالح ، اللهم إنا نسألك أن تحبب إلينا الإيمان بك ، وأن تزينه في قلوبنا ، وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، وأن تجعلنا من الراشدين ، اللهم أذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين ، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين ، اللهم إنا نسألك أن ترحم موتى المسلمين جميعا ، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,,

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [آل عمران:102] . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) [النساء:1] . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) [الأحزاب:70-71] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت