والقيد الثاني: النية الحسنة بالنسبة لطالبه ، وهذه النية مرتبطة بحاجة الأمة الإسلامية وضروراتها ، وما يؤدي إلى استغنائها عن غيرها من الأمم ، وهذه النية هي التي تحول تلك العلوم إلى علوم نافعة ينال أصحابها بها أجرا عن الله تبارك وتعالى ، وبه تتحول جهودنا وما نبذله من أوقات ومال بهذه النية ولإغناء الأمة الإسلامية عن أن تحتاج إلى غيرها من الكفار ، يتحول هذا العلم في منهاج الإسلام إلى علم مطلوب ينال عليه أصحابه أجرًا عن الله تبارك وتعالى ، وكل من العلم الشرعي أو العلم المادي في منهج الإسلام لابد فيه من نية صالحة ، تقوم على الإخلاص لله سبحانه وتعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي علمنا هذا ، هو الذي بلغ الشريعة ، وهو الذي قال لأصحابه: (( بلغوا عني ولو آية ) ).
وهو الذي بعث البعوث ونشر الرايات المجاهدة في سبيل الله الداعية إلى الله تبارك وتعالى لتشق طريقها في مشارق الأرض ومغاربها ، وهو أيضا الذي أمر أحد الصحابة رضي الله عنه أن يتعلم لغة غير اللغة العربية لما احتاج إلى ذلك ، وهو الذي استفاد من خبرة الفرس العسكرية في إحدى ميادين القتال ، وليست هذه إلا نماذج ، ولكن أحببت أن أشير إشارات والأمر في ذلك يطول .
أيها الإخوة في الله: ما مقياس العلم الذي ينفع والذي لا ينفع في منهاج القرآن ؟ ومن أيها العلم الحديث الذي يوجد أكثره عند الكفار اليوم ، ويظهر كثيرًا من شبابنا وبعض مثقفينا ؟ ومتى يكون هذا العلم المادي نافعًا وصحيحًا ؟ وقفات ثلاث مع ثلاث آيات في كتاب الله تبارك وتعالى.
الوقفة الأولى: قال الله تبارك وتعالى في سورة فاطر: (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) ) (فاطر:27-28) .
ففي هاتين الآيتين بيان لقدرة الله تعالى وكماله فيها حيث يخلق الأشياء المتنوعة المختلفة ، من الشيء الواحد ، وهو الماء الذي ينزل من السماء ، فيُخرج به ثمرات مختلفا ألوانها ، فيها الأحمر والأبيض والأصفر والأخضر والأسود ، إلى بقية الألوان ، كما خلق تعالى الجبال مختلفة الألوان ، بل خلق الناس والدواب والأنعام مختلفي الألوان ، وهذا خلق الله لا مدخل للبشر فيه ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، ثم قال تعالى في نهاية هذه الآية: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) ).
قال ابن عباس: (هم الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير) ، وهذه إشارة من ابن عباس على أن العلم المادي إذا دل على الله تباك وتعالى ؛ يتحول هذا العلم إلى علم عبادة وطاعة ، أي أن علمهم بما في الكون والأنفس وربطهم ذلك بالله تعالى القادر ، هو الذي يولد الخشية لله تعالى ، المقتضية لعبادته وحده لا شريك له ، قال ابن عباس رضي الله عنه (العلم بالرحمن: من لم يشرك به شيئا، وأحل حلاله وحرم حرامه ، وحفظ وصيته ، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله) .
وعلى هذا: فأي علم لا يوصل إلى الإيمان بالله وخشيته وعبادته فليس بعلم في الحقيقة ، قال ابن كثير في هذه الآية: ( أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به ، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم ، الموصوف بصفات الكمال ، المنعوت بالسماء الحسنى ، كلما كانت المعرفة به أتم ، والعلم به أكمل ، كانت الخشية له أعظم وأكثر) ، وبهذا الميزان أيها الإخوة يمكن أن توزن علوم الحضارة المعاصرة ، هل قادت أصحابها إلى الإيمان بالله ؟ أم أنها ركبت في عقولهم غرورا ؟ فتكبرت على ربها تبارك وتعالى ، وصارت تحاربه بعلومها المادية ليلاً ونهارًا .
الوقفة الثانية: قال الله تعالى: (( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) ) (الزمر:9) .
هل يستوي القانت المطيع لله ورسوله ، ومن أشرك بالله وجعل له أنداداً ؟ إنهم لا يستوون أبدًا ، وقد وُصِف هذا المطيع بأنه آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، فهو بين الخوف والرجاء ، مع كثرة عمله وصلاحه .
ثم قال تعالى: (( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ).
قال الإمام الطبري رحمه الله: ( يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون مالهم في طاعتهم لربهم من الثواب ، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات ، والذين لا يعلمون ذلك ، فهم يخبطون في عشواء لا يرجون بحسن أعمالهم خيراً ، ولا يخافون بسيئها شراً ، يقول: ما هذان بمستويين ) .
ونقل القرطبي رحمه الله عن بعض العلماء أنه قال: ( الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به ، فأما من لم ينتفع بعلمه ، ولم يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم ) .
أيها الإخوة في الله: وهذا يشمل العلوم الشرعية وغيرها ، ومن ثم فإن هذه الآية تدل على عدة أمور:
أحدها: أن العلم الذي لا يوصل إلى الله تعالى فليس بعلم حقيقي مهما كان .
الثاني: أن العلم الصحيح هو ما نقل صاحبه إلى العمل على وفق شرع الله تبارك وتعالى رغبة في ما عند الله تعالى وحذرا من عقابه .
الثالث: أن غاية الحياة ومنها طلب العلم على مختلف فنونه وفروعه ، هو عبادة الله تبارك وتعالى .
وبهذا: تضبط موازين الحياة .
واستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين .
الوقفة الثالثة: مع قوله تعالى في أول سورة الروم: (( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ) (الروم:1-4) .
في هذه الآيات إخبار الله تعالى بنصر الروم على الفرس الوثنيين الذين انتصروا عليهم أولا ، وفرح بذلك إخوانهم من مشركي مكة ، فلما انتصر الروم فرح المؤمنون بذلك ، قال القرطبي رحمه الله تعالى وإنما نقلت كلامه هنا لأقف وقفة مع قوله: (( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ) ).
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: ( وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تَغْلِبْ إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين ، وفارس من أهل الأوثان .
قال النحاس: وقول آخر وهو أولى: أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى , إذ كان فيه دليل على النبوة ، لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع سنين ، فكان فيه .