فهرس الكتاب

الصفحة 8461 من 9994

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى, اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر .

الحمد لله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يقدر الليل والنهار وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار وسلم تسليما كثيرا أما بعد:

فاتقوا ربكم يا مسلمون ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله

هكذا طويت صفحة من صفحات الزمن ، وتساقطت ورقات من شجرة العمر، وذبلت زهرات في بستان الحياة

فبمغيب شمس هذا اليوم تودع الإجازة عشاقها ، وتقوض خيامها بعد أن انفرط نظامها وتصرمت أيامها

مضت الإجازة بخيرها وشرها وحلوها ومرها ، مضت أشهر تشكل فصلاً من فصول حياتنا ، وكل يوم مضى يدني من الأجل

مضت الإجازة ومضت معها أيام لم نحسب حسابها ولم نقدر لها قدرها ، واليقين أنها محسوبة من أعمارنا مقربة لآجالنا وسنسأل عنها أمام ربنا ، فالذي لا ينطق عن الهوى قال: (( لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع ومنها عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ) ).

مضت الإجازة والناس في استغلالها أصناف شتى قد علم كل أناس مشربهم، فمنهم من رأى فيها قعوداً عن الجد ، وهروباً من الإنتاج والإيجابية، وآخرون جعلوا منها موسماً للتحلل من آداب الإسلام وأحكامه ، فملؤها لهواً ولعباً وغناءً وصخباً بمهرجانات غنائية وحقلات سياحية كانت مفتاحة لباب شرور، ومستنقعاً لكل منكر من القول وزوراً

وطائفة قد غلت عليهم أنفسهم ، وعلت هممهم فسموا بها إلى معالي الأمور، فجعلوا من الإجازة ظرفاً لعملٍ آخر مثمر وانتقلوا فيها من إيجابية إلى إيجابية جاعلين نصب أعينهم قول الحق: (( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ) ).

وكل أولئك طويت صفحاتهم ليوم بما تحمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، فكم يا ترى في هذه الإجازة من مثاقيل الذر من خير وشر وتبقى الصحف مطوية حتى ينشر يوم الحساب ، فماذا يا ترى سيكون الحال يومئذ ؟

مضت الإجازة وقد شهدت تصارع الهمم فقوم همتهم في الثريا وآخرون هممهم في الثرى

ودعت الإجازة وفيها شهدت أروقة بيت الله الحرام أسمى وأروع صور التنافس في بلوغ الهمة العالية والغاية النبيلة تمثل ذلك في ثلة من شباب المسلمين ممن رفعوا شعار: (( لا مستحيل مع العزم والإصرار ) )فأثمرت همتهم حفظاً لكتاب الله تعالى كاملاً في زمن أشبه ما يكون بالخيال، حتى إن فتى حفظه وأتقنه في سبعة وعشرين يوماً ، وفئة شغلت بحفظ سنة رسول الله r فحفظت الصحيحين في فترة لم تتجاوز الشهرين

على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم

ولت الإجازة وقد حوت أحداثاً وعبراً ، فتأمل أخي المسلم: كم ودعت فيها من حبيب وكم فارقت من قريب ؟

مات أقوام وولد آخرون ، شفي أناس ومرض أناس ، واغتنى قوم وافتقر أقوام ، وربنا كل يوم هو في شأن

ونحن نودع الإجازة التي تشكل جزءاً من حياتنا ، فما أحرانا أن نتحسر على أيامٍ أضعناها وأوقات تركناها ، ذهبت بما حملت ، ولنرى في حال السابقين من أسلافنا كيف ينظرون إلى هذه الأوقات وماذا عملوا فيها

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (( ما ندمت عل شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي )

وقال أبو سليمان الدراني: (( لولم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى فيه في غير الطاعة لكان خليقاً أن يحزنه ذلك إلى الممات ) )، فكيف بمن يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله

إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى ولم أستفد علماً فما ذاك من عمري

والدنيا ثلاثة أيام:

أما أمس فقد ذهب بما فيه ، وأما غداً فلعلك لا تدركه ، فاليوم لك فاعمل فيه وكلما ازداد اغتناماً لزمانه وبالتالي كان أقرب لتلك الغاية وأكثر تحقيقاً بها

إن الزمن يساوي عطاء الإنسان وحصاد عمره ، يساوي اليد التي ستحمل كتابه ، يمنى تكون أو يسرى

أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة تمر بي الموتى يهز نعوشها

وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي بقايا ليال في الزمان أعيشها

أيها المسلمون:

مضت الإجازة ، وفيها عمل أناس ونام آخرون فماذا بقي من عناء العاملين ، وماذا بقي من لذة النائمين

مضت الإجازة فكيف قضاها الناس ؟ أما لو نطق الواقع لقال: (( إن من الناس من قضاها لحاجة نفسه سفراً ومتعةً وسياحةً وتنزهاً ) )، والأعظم شأناً والأرفع قدراً فئة من العاملين الغيورين قضوا الإجازة في حمل هم الإسلام وأبناء المسلمين

تراهم في المراكز الصيفية، وفي المخيمات التربوية ، وفي الدورات العلمية، والحلقات القرآنية ، يسافرون ولكن بأبناء المسلمين ليربوهم على آداب الإسلام وقيمه ، يبذلون ولكن في سبيل تربية الجيل وصلاحه ، يفكرون ولكن بما يخدم المجتمع ويحافظ على أجياله ، يقضون أوقاتهم ولكن بتعليم القرآن ، وتربية الشباب ، والمساهمة في الأعمال الخيرية

هم الرجال وعيبٌ أن يقال لمن لم يكن مثلهم رجل

فلا حرمهم الله أجر العاملين ، وعوضهم عن بذلهم جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر

معاشر المسلمين:

ونحن نستقبل في كل عامٍ إجازة ثم نودعها فما أجدرنا أن نقف مع أنفسنا وقفة معاتبة ومحاسبة فإن كان ما عملنا خيراً حمدنا الله عليه وعزمنا على المزيد فيه، وإن كان سوءاً ندمنا عليه وسارعنا إلى التوبة منه توبةً صادقة

لا بد لنا أيها المسلمون من مواقف مع النفس نحاسبها ونعاتبها لنأمن من شرها ونتحكم في قيادها ، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني

أيها المسلمون:

وحينما تمضي الإجازة تفتح المدارس أبوابها فتنفتح معها الآمال والتحديات والمشكلات في كل أسرة ، ففي كل بيت حكاية عن الدراسة والمدرسة، ولدى كل أبٍ وكل أمٍ أمل يتجدد في أن يجتاز أبناؤهم الدراسة بتفوق ، ومع بداية الدراسة يتغير إيقاع الحياة في أكثر البيوت ويعلن الحادي أن وقت اللعب ولى ، وجاء وقت الجد

مع إشراقة شمس الغد سيتغير وجه الحياة ، سترى الشوارع وقد غصت بالحركة، والبيوت وقد رفعت درجة الطوارئ ، وسترى حركة غير طبيعية، في صبيحة الغد تبذل جهود وتستثمر طاقات لو أنفق بعضها في سبيل الصلوات لأصبح أبناؤها ممن قلوبهم معلقة بالمساجد

إن ما نراه من مشاهد تحدث صباح كل يوم دراسي يؤكد لك أن الناس عباد الدنيا، النائم يوقظ ، والمسافر يقدم ، والرغبات تحقق ، والخواطر تجبر ، كل هذا في سبيل الدراسة وذال أمر حسن ، ولكن أين هذه الاهتمامات في سبيل القيام بحقوق الله وتربية النشء على طاعة الله ، أين هذه الهمة وذاك الحرص مع الأبناء في صلاة الفجر

لقد أصبحت الدراسة عند البعض مقدمة على طاعة الله جل جلاله ، وإذا كانت كذلك واحتلت المرتبة الأولى في اهتمام المسلمين على حساب أعظم العبادات وهي الصلاة فهذا يعني أن الدراسة ستكون طاغوتاً يُعبد من دون الله ، وهذا أمر لا يرضاه المسلم لنفسه أبداً

أيها المسلمون:

ومع انتهاء الإجازة وبدء عامٍ دراسي جديد يحلو الكلام إلى فئات ثلاث تشكل أساس العملية التعليمية والتربوية

أما الفئة الأولى وهم حماة الثغور ومربو الأجيال فأرجئ الحديث عنهم وإليهم إلى جمعة قادمة ، وأوجه خطابي إلى الشبيبة الناشئة أمل الأمة ورجال المستقبل

يا معشر الطلاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت