تذكر وأنت تسرح وتمرح في هذه الحياة وتدخل وتخرج على أولادك وتأكل معهم وتفرح بهم وتنام ملء أجفانك بهنأ وراحة تامة في الليل، وهذا المسكين قابع في سجنه لا يعرف النوم إلى عينه سبيلاً ، لا يهنأ بطعام ولا يلذ بمنام يفكر في أولاده الذين تسببت في ضياعهم وفي تشتيت شملهم .
فاتق الله وإياك أن تدركك دعوة المظلوم.
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
أيها الأخوة في الله: لا تكن معاملتنا معاملة مادية فحسب ، ولا تكون العلاقات الأخوية مبنية على المصالح المادية بالدرجة الأولى ،
قال تعالى: (( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) ( الشورى42 ) .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم , ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم
استغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين فاستغفروه فيا فوز المستغفرين .
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده , ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد , ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هم بهديه مستمسكون وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: أوصيكم ونفسي بما أوصى الله به الأولين والآخرين من خلقه (( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً ) ) (النساء131) .
أيها الأحبة في الله: وأنا حين أذكر لكم هذه الحوادث وهذه المعاملات الظالمة الآثمة التي تتصف بالظلم الصارخ والاعتداء الآثم الشنيع ، فإنني أؤكد بأن الغارمين والمدينين لديهم شيء من المماطلة والتساهل ، ولكن في كل الأحوال كن سابقاً بالفضل ولا تقابل الظلم بظلم مثله ، وإن كان قد حصل فعلاً لك ظلم من مدينك فلا بأس أن تعامله بما يستحق ، أما الأمر المنهي عنه هو أن تطالب بسجنه وأنت تعلم أنه لايستطيع السداد ، ولو طلبت من بعض الدائنين القسم لأقسموا أن هؤلاء المدينين لا يملكون شيئاً يسددون به ديونهم ، ومع ذلك يسعون بكل وسيلة لسجنهم وتضييع أهلهم وتشتيت شمل أسرهم فهذا هو الظلم بعينه والعياذ بالله ، وإذا كان هؤلاء الناس يسلكون هذا النمط من المعاملة الظالمة ، فأي معاملة يجب أن يعامل بها الدائن غريمه ولا سيما إذا كان مفلساً وعاجزاً عن السداد .
أيها الأحباب: لقد بين الله عزوجل في كتابه المبين أن المدين إذا بلغ به الحال إلى حد العسرة ولم يستطع السداد ، فإن معاملته يجب أن تكون من خلال طريقين لا ثالث لهما ، أما الطريق الأول فهو انتظار المدين حتى يفتح الله عزوجل عليه باب الرزق وحتى يبدل الله عسره يسرا وأنت بذلك مأجور إن شاء الله ، ومشكور عند الله عزوجل وعند خلقه ، وحري أن يدعو لك هذا المسكين بما عسى الله أن يرفعك به يوم القيامة ، وأن يبوئك أعلى المنازل في الجنان .
فلا يحل لك أن تطالب بسجنه بل يجب أن تصبر عليه حتى يبدل الله عز وجل حاله يسرا .
أما الطريق الآخر فهو العفو عن المدين والصفح عنه قدر الاستطاعة ، يقول الله تعالى: (( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) ).
أخي المسلم الدائن: إن إعفاءك عن مدينك ومسامحتك له من أفضل الصدقات عند الله عزوجل ، وإنها تفريج لكربات المسلمين ، وهي من التيسير على المعسرين ومن ستر عورات المسلمين ، وتلك والله من أفضل الأعمال عند أرحم الراحمين .
قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (( من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة فيسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ) ).
واعلموا أن مسامحتكم لهؤلاء المساكين من أفضل الإحسان ومن أعظم المعروف ، والله عز وجل يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) ( الحج: 77) .
ويقول الله تعالى: (( وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ) ( البقرة: 195) .
وقبل أن أنهي حديثي في هذا الموضوع المهم، لا بد أن ألفت أنظار الغارمين لأن ذلك من باب العدل والإنصاف، فأقول لهم اتقوا الله عز وجل وسارعوا بسداد ما عليكم ، ولاتنسى أن هذا الذي تكرم بقرضك وسلفتك قد أحسن إليك فلا تقابل إحسانه بالإساءة ، بل قابل إحسانه بالشكر والعرفان ، وإذا ما يسر الله عليك فعجل ببراءة ذمتك ، فذلك خير لك عند الله وعند خلقه ، وإياك أن تماطل و تسلك السبل الملتوية فإن ذلك ظلم مبين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك: (( مطل الغنى ظلم ) )أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
فبادر بالإحسان إلى من أحسن إليك ، وإلى سداد ما تحمله ذمتك فذلك أبرأ للذمة وأقسط عند الله سبحانه وتعالى ، واعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموالهم يريد إتلافها أتلفه الله في الدنيا والآخرة ) ), أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يكشف عن كل مكروب كربته ، وعن كل مضطر ضره ، وياأيها المحسنون إذا كنتم قد تكرمتم أولاً بإقراضهم فأحسنوا ثانياً بالصفح عنهم إذا كانوا لا يجدون ما يسددون .
اللهم وفقنا للصالحات، وارزقنا توبة قبل الممات ، يا عالم السر والنجوى والخفيات ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه عموما ، ولم يزل قائلاً عليما وآمراً حكيما , أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنا بملائكته المسبحة بقدسه , وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وأنسه ،
فقال عزوجل: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ) (سورة الأحزاب: 56) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ).
اللهم صلى وسلم على سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا وأستاذنا ومرشدنا ومعلمنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته ومن أستن بسنته وأهتدى بهديه إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين من اليهود والنصارى والشيوعيين يا رب العالمين ، نسأل الله تعالى لنا ولجميع المسلمين الهداية والرشاد ونسأله تعالى أن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا, إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء .