فهرس الكتاب

الصفحة 8459 من 9994

دعك من المصارف والبنوك فأمرها بين ولكني أعني الناس المسلمين المصلين الحاجين المعتمرين بلغنا أن كثيرا منهم وقع في هذا النوع من الربا والعياذ بالله يستغل ضعف المحتاج فيقرضه ثم يثقل كاهله ويثقل عليه بقلب الدين عليه واستغلاله بوضع الفوائد الربوية عليه والعياذ بالله وسمعنا عن أشخاص كبروا ولم يستطيعوا القيام على تجارتهم وخشية أن تتجمد تجارتهم حركوها بمثل هذه الوسائل المحرمة والعياذ بالله مستغلين ضعف إخوانهم المسلمين معرضين أنفسهم للعنة الجبار سبحانه وتعالى ولعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا ترد فنسأل الله العافية والسلامة واللطف والمعافاة 0

وهذا هو الطريق الأول الذي يسلكه بعض الدائنين من معاملة المعسرين المحتاجين .

أما المسلك الثاني والنمط الآخر فهو الغالب والشائع في زماننا وقد كثر وترتبت عليه مفاسد لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ، ألا وهو أن كثيرا من الأغنياء والدائنين يضيقون على هؤلاء المفلسين المحتاجين ، وهم يعلمون أنهم لا يستطيعون السداد، ومتيقنون تمام اليقين أنهم لا يملكون إلا ثيابهم التي على أجسامهم وبيوتهم التي يسكنونها إن لم تكن بالإيجار ، ومع ذلك فهم يضيقون عليهم ويستعدون عليهم السلطة ويدعون إلى سجنهم والتضييق عليهم ويعاملونهم معاملة بشعة ، هذا وهم يعلمون أنهم في وضع لا يحسدون عليه، يعلمون تمام العلم أن المصائب قد ترادفت عليهم بأعجازها وناءت عليهم بأثقالها، ففي الوقت الذي يكون هذا المسكين قد خسرت تجارته وتشتت أمواله وتراكمت ديونه وعجز عن سدادها وكثر غرماؤه وقل رحماؤه وصار إلى حالة من المأساة لا يعلمها إلا الله.

وصار يصدق عليه قول الشاعر:

صبت عليّ مصائب لو أنها صبت على الأيام عدنا لياليا

فتجده في الليل وتجده في النهار يسير مستخفياً متوارياً خجلاً من الناس وفي الليل إذا ما جن الليل ونام النائمون وهجع الهاجعون وأسدل الليل عليهم لحاف الراحة والهناء حضرت على باله همومه ونزلت بداره غمومه وامتطى متن أحزانه وركب بحر ألآمه اللاتي لا ساحل لها تتقاذفه أمواج البلاء وتتجاذبه أتون الشقاء فهو يساهر الليل والنجم وقد نزلت في باله المصائب كلها وتكالبت عليه من كل فج وأصبح لا يهنأ في نومه وراحته ولا في أكله وشرابه وصدق عليه قول الشاعر:

وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازا وناءى بكلكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل

وصدق عليه قول الأخر:

مالي وللنجم يرعاني وأرعاه أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه

لي فيك ياليل آهات أرددها أواه لو ينفع المحزون أواه

فإذا استيقظ استيقظت همومه معه وإذا نام نامت معه ، فهو سجين في سجن الحياة المتنقل ، كما يقال في زنزانة متنقلة ، مع أنه يعيش مع الأحرار وهو ميت في ثياب الأحياء .

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء

وهو يعلم هذا من حاله فتجد غريمه يزيد طينته بلة ومرضه علة وحماه ملة ، في السجن قابعا فيزيد عليه أحزانه والآمه ويشتت أسرته ويضيع أولاده ويسد عليه منافذ الرزق وهو يعلم هذا من شدة حاله وفقره وعوزه ، يتسبب في سجنه ليترك أما فانية أو شيخاً كبيراً يدعون عليه في أسحارهم وصلواتهم أو يترك زوجة مسكينة لا تدري هل تلتفت إلا نفسها وشأنها أو تلتفت إلى أولادها الذين أسهرهم الجوع واجزعهم الفقر أو تلتفت لأحزان زوجها الذي غُيب عنها في غياهب السجون لا تدري ماذا يفعل الله به؟

أيها الأخوة: لقد سمعنا عن مصائب كثيرة ، كم من أسرة تشتت بسبب ظلم الدائن لمدينه ؟

وكم من زوجة طلبت الطلاق من زوجها لأنها لا تشاهده إلا ساعة من الأسبوع أو ساعة من الشهر في سجنه ؟

بل كم من امرأة شريفة ما اعتادت السؤال يوماً من الدهر وقفت تطرق أبواب المحسنين وتستجدي نوال المتفضلين ، تسألهم من نوالهم ومن فضل الله سبحانه وتعالى عليهم، مع أنها لم تتعود هذا النمط من السؤال لأن زوجها سجن ، وترك لها صبية لا تجد ما تحملهم عليه ؟

وكم من امرأة شريفة عفيفة اضطرتها مطرقة الفقر الثقيلة حتى سلكت سبلاً ملتوية وراء الشر والبغاء والشقاء والفجور والعياذ الله ؟

أيها الأخوة: أين الشهامة وأين الرجولة وأين المعروف واحتساب الأجر من الله عز وجل بل أين شيم العرب الذين كانوا يتسابقون إلى إكرام الضيف والتيسير على المعسرين وفك العاني.

أيها الأخوة: مما سمعنا من قصص هؤلاء ، قبل عدة أيام ، أتاني أحد الأخوان وأخبرني عن قصته فهو رجل بلغ من الكبر عتيا ولم يتزوج لفقره ، وقد استلف من قريب له مبلغاً من المال ليستعين به على الزواج ، ثم تزوج وخلف صبية صغاراً أفراخاً لا يستطيعون أن يسعوا لأنفسهم فما كان من قريبه إلا أن شكاه وطالب بسجنه، فباع سيارته التي لا يملك غيرها، وسدد نصف ما عليه إلا أن قريبه أصر على سجنه فطرح في السجن، ولولا أن بعض المحسنين دفعوا عنه الباقي لبقي في سجنه من أجل ذلك المبلغ .

وقصة أخرى أيها الأخوة وقفت عليها وهي لرجل كثر دينه حتى أصبح لا يستطيع سداده ، فألح غرماؤه حتى سجن فأصيب في السجن بحالة عقلية نظراً لكثرة تفكيره بأهله وأولاده ، فطالب غرماؤه بسجن أخيه ، فما كان من أخيه إلا أن هرب وترك عائلته وعائلة أخيه في أسوأ حال .

وقصة حكاها أحد الأخوة الثقات عن أحد المحسنين الذين يتتبعون أحوال هؤلاء ، قال دخلت السجن لأجمع أخبار هؤلاء المنكوبين ، فاعترض لي شاب قرأت الشقاء والتعاسة في وجهه، وأخذ بيدي وجنح بي جانباً وقال لا أريد أن أكلمك ولكن من فضلك وإحسانك تقرأ هذه الرسالة، قال ففتحت الرسالة وقرأتها، فإذا هي رسالة تبكي لها النفس بدماء القلب قبل دموع العين، وفيها من الزوجة فلانة إلى زوجها فلان لم أتمتع معك في حياتنا الزوجية إلا أياماً قلائل حتى غيبوك في غياهب السجون ، كم سنة غبت عني ؟

لا أدري ماذا فعل الله بك ؟ ولا أدري عنك أحي فترجى أم ميت فتنعى ؟ ليتك ترى حالي وليتك ترى حال صغارك ، لست أدري هل أخون أمانة الله وأمانتك واطلب الرزق لهؤلاء بطرق محرمة وأنا في ذمتك وعهدك ، أم أطلب الطلاق ويضيع أولادك ، أم أصبر واحتسب وأجري على الله عز وجل ؟

وكلام كثير يطول ويطول .. يبكي له المسلم ، فقال فما كان مني إلا أن أخرجته بيده وعلمت أنه بقي في السجن سنين عديدة ، لأنه تحمل غرامة ودية ولم يسأل عنه أحد ، قال فلما تحققنا من حاله وجدنا حاله كما ذكر في الرسالة فسددنا عنه وفرجت مصيبته والحمد الله .

وحوادث كثيرة أيها الأخوة لا أريد أن أطيل عليكم وأثقل مسامعكم بذكرها، تحكي الظلم الصارخ الذي يعانيه هؤلاء المساكين الذين لا يجدون ما يسددون به ديونهم من قبل دائنيهم .

فاتقوا الله أيها المسلمون ، واحتسبوا الثواب من الله عزوجل ، واعلموا أنه لا يحل لكم ولا يجوز لكم أن تشكوا هذا المسلم المسكين الذي لاحول له ولاقوة .

ماذا تستفيد أيها الأخ المسلم من سجن هذا المظلوم الذي تسببت فيه، فهو قابع في زاوية من زوايا السجن ، يقطع الليل دعاء عليك ، لا يدري ما فعل الله بأسرته وأولاده، تسببت في سجنه وسددت منافذ الرزق عليه فهو حري أن يدعو عليك والله عز وجل لا يرد دعوة المظلوم وإن أفلت من دعوته لن تفلت من دعوة أبيه الكبير وأمه العجوز التي تقطع الليل دعاء وتحسباً عليك .

فاتق الله يا أخي المسلم وهب نفسك مكانه ، وهب انك أنت الذي تعرض لهذه المصيبة، كيف تحب أن يعاملك الناس وكيف تحب أن يعاملك أصحاب الحقوق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت