أيها الأخوة: وكما ذكرت لكم فإن أمثال هؤلاء الخاسرين المفلسين المعسرين كثير وكثير في زماننا ولقد وجه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم إلى معاملة هؤلاء المنكوبين المبتلين بما يليق بحالهم وعوزهم وفقرهم .
والناس في هذا الزمان الذي انقطعت فيه أواصر الإحسان والمعروف وعم الجشع وساد الطمع وفسدت النوايا وساءت الطوايا وأصبحت العلاقات مبنية على المصالح الدنيوية وانقطعت الروابط الأخوية الإسلامية وأصبحوا يعاملون بعضهم معاملة مادية ويعامل القوي الضعيف ويعامل الدائن مدينه معاملة يترفع عنها مع معاملة الكافر وربما لا تليق بالحيوان ، فتجده يسلك مسالك شتى فيظلمه ظلما صارخا ويعتدي عليه ويستغل فقره وحاجته. وأنا قبل أن أذكر الأمر الذي يجب أن يعامل به المدين والمفلس، أذكر المعاملات التي يعامل الناس اليوم هؤلاء المفلسين والمعسرين بها، والتي نتج عنها ظلم صارخ ، وخلفت مصائب كثيرة ورزايا عديدة 0
لقد أصبح الدائنون اليوم يعاملون المعسرين المدينين بأساليب شتى من الظلم البشع وأشهرها طريقان اثنان ، أما الطريق الأول الذي يعامل به الدائن مدينه خصوصاً المعسر ما يفعله أهل الجاهلية الأولى مما يسمى بقلب الدين على المعسر .
ذلك انه في عهد الجاهلية الأولى قبل مبعث رسول الهدى صلى الله عليه وسلم كان الرجل إذا تحملت ذمته الدين لأي سبب سواء كان هذا الدين ثمن مبيع أو عوض متلف أو قيمة تالف أم كان سببه قرضا أو سلفاً أو غير ذلك ، كان إذا حان الأجل ولم يؤد ما عليه قال له يا هذا إما أن تقضي وإما أن تربي أي إما أن تقضيني ديني أو أقلب الدين عليك أضعافا مضاعفة واحتسب عليك نسبة من الربا فلا يزال يقلب الدين عليه شهوراً أو أعواماً عديدة حتى يضاعف عليه الدين أضعافا مضاعفة وحتى يصبح الربا متراكماً بحيث يصبح المدين عاجزا عن السداد ولو باع نفسه وأهله وأولاده وجميع ما يملك ، وهذا الربا من الظلم الصارخ الذي ندد الله عزوجل به وذم المتعاملين به وتوعدهم نارا حامية ولعنة وخزيا في الدنيا والآخرة 0
قال سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ) ( آل عمران: 134) .
وقال عزوجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّه وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) ( البقرة: 278 ) .
وقال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {284} آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) ) ( سورة البقرة: 286)
انظر كيف سمى الله عز وجل هذا النوع من المعاملة ظلما صارخا وللأسف الشديد فإنه بلغنا أن كثيرا من الناس المسلمين يتعاملون بهذا النوع من المعاملة فلقد أعادوا ربا الجاهلية الذي مقته النبي صلى الله عليه وسلم ولعنه ووضعه تحت أقدامه فقال: (( ألا إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عمي العباس بن عبد المطلب ) ).