فهرس الكتاب

الصفحة 2298 من 9994

#التبصير والتحذير من الغلو والتكفير

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

التبصير والتحذير من الغلو والتكفير موضوع مهم تتجدد أهميته مع تجدد أحداث مؤلمة محزنة تنتهك فيها حرمة البلد الحرام والدم الحرام والمال الحرام ، ولقد أسلفنا شيئا من الحديث من قبل وأشرت إلى أن بعض الاخوة رأى أن المضي فيه قد لا يكون ذا حاجة للناس ، وأحب أن أنبه إلى أننا نريد تبصيراً وتحذيراً معاً ؛ فإن مجرد التحذير والتخطئة والتجريم وحده لا يكفي في علاج هذه المشكلة الخطيرة ، وإنما التبصير المتناول من بعد ذلك وقبله لأسبابها وآثارها وطرق علاجها هو الأمر المهم الذي يكون له أثره في أمرين وجانبين مهمين:

جانب العلاج ومن قبله جانب الوقاية والحماية .

ولعلنا ننبه في مطلع حديثنا على القضايا المهمة والرئيسية ، وليس مقامنا مقام تفصيل ؛ فإن مثل هذا المقام لا يكفيه ولا يقتضيه وإنما نؤكد على المهم الذي يتجلى واضحا في آيات الله وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، لقد قرر الإسلام العظيم النهج القويم المخالف للغلو والمجافاة وذلك من وجوه عدة:

أولها: الاعتدال والوسطية:

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [ البقرة: من الآية 143 ] .

وقد تكر ر ذلك المعنى في صور متعددة في القرآن الكريم تتناول أموراً كثيرة في سائر أحوال الناس دقيقها وجليلها ..

{ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً } [ الإسراء:29 ] .

{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } [ الفرقان:67 ] .

{ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً } [ الإسراء: من الآية 110] .

عندما نتأمل نجد هذا معلما واضحا اليسر والسماحة واله جل وعلا يقول:

{ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } [ طه:1-2 ] .

ليس في الشريعة مشقة بالمعنى الصحيح الشرعي وليس فيها عناء ولا عنت وإنما هي عين اليسر وذات السماحة:

{ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [ النساء: من الآية 29 ] .

{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ البقرة: من الآية 185 ] .

{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج: من الآية 78 ] .

وذلك أمره بين وواضح الرحمة والرفق ؛ فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين:

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء:107] .

هو الرحمة المهداة وشريعته وسنته هي هذه الرحمة التي خلصت الناس والأمم والبشرية جميعاً من إصر الأغلال التي كانت عليهم ، وجاءت بكمال الرحمة الحافظة للنفوس الموفرة للأمن القاضية بعصمة الأرواح والدماء إلا بحق التشريع في الاعتداء والظلم والعدوان وغير ذلك مما وردت به النصوص ، ثم تأمل ما جاء عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم الناس إيماناً وأشدهم غيرة وأعظمهم حمية وأجرؤهم شجاعة وأعظمهم جهاداً في سبيل الله عز وجل وهو يلقن الأمة القواعد الجامعة الضابطة المضطردة وسائر الأحوال والأزمان فيقول عليه الصلاة والسلام:

( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه ) .

ويقول كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام:

( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ) .

وهي قواعد مضطردة قالها المعصوم - صلى الله عليه وسلم - إنها ليست عبارات بلاغية ولا جمل ولا أساليب حسنة وإنما هي حقائق مقرة وقواعد ثابتة أخبرنا بها من بلغنا هذا الدين ومَن علّمنا القرآن ؟ ومن أقام لنا من حياته وهديه وسنته معلّم الهدى الراشد إلى طريق رضوان الله سبحانه تعالى.

القدرة والاستطاعة فالله - جل وعلا - يقول:

{ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا } [ البقرة: من الآية 286] .

{ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا } [ الطلاق: من الآية 7 ] .

وتأتينا الآيات في قواعد مضطردة كما في قوله:

{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم } [ التغابن: من الآية 16] .

وتأتي التشريعات كثيرة في تطبيقات عديدة تؤكد هذا في الصور المختلفة والشعائر بل والفرائض المفروضة:

( صلّ قائماً ؛ فإن لم تستطع فجالساً ؛ فإن لم تستطع فعلى جنب ) ولو أن تومئ إيماءً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت