ذلكم هو الأمر الظاهر البين في أصل هذا الإسلام أ ترون له بالغلو سبباً أو نسباً ؟ أ ترون له في الشدة صورة أو مظهراً ؟ أترون له في لعناء والمشقة غير المشروعة مأخذاً أو مطلباً نبهوا لذلك واعرفوا حق الدين وأساسه وقواعده وأصوله ومقاصده الكلية ؛ فإن فهم هذه الأمور العظيمة هو الذي يؤدي إلى فعم دقائق التشريع وحكم العبادات من بعد ذلك .
وصورة أخرى نجلي بها تكميلاً في التبصير والتحذير في مبدئه وأوله وهي الآيات والنصوص الشرعية التي جاءت لتكشف لنا صورا أساسية في حقيقة الغلو:
أولها: الغلو كذب وافتراء أي يؤدي إلى ذلك ويقود إليه ويفضي في آخر الأمر إليه فالله - سبحانه وتعالى - قال:
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ } [ النساء: من الآية 171] .
ومفهوم الآية ظاهر أن الغلو مفض إلى القول على الله بغير الحق والآية تتناول الحديث عن أهل الكتاب لكنه حديث موجه إلى أمة الإسلام لتعصم نفسها مما وقعت فيه الأمم من قبلها من التحريف والغلو أو الجفاء والقصور ، وقال السعدي رحمه الله في تفسيره:
"هذا الكلام يتضمن ثلاثة أشياء أمرين منهي عنهما وهما القول الكذب على الله والقول بغير علم في أسمائه وصفاته وشرعه ورسله ، والثالث مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور ولا يقول الحق من غلا ولا يقوله كذلك من جفا وإنما يقوله من توسط واعتدل".
والغلو ضلال وإضلال ؛ فإنه في آخر الأمر قول على الله بغير علم ورجم بالغيب بأي بينة وضلال في الفهم على غير أصل ومن هنا جاء قوله سبحانه وتعالى:
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } (المائدة:77) .
أ فرأيتم كيف تكثف الوصف بالضلال والإضلال والاستقرار على الضلال؟ إنها غاية مفضي إليها ذلك الغلو الذي لا يرضى ولا يقبل بما تنزلت به الآيات وثبتت به السنن الهاديات المرشدات إنها قضية واضحة كذلك وأمر بين لابد من معرفته.
والغلو كذلك خلل واضطراب يقع به فساد في النفس تجنح ما بين تشديد واعتناء بأمر يفرط في مقابله بأمور أخرى ، ويقع فيه كذلك في الصلات والعلاقات غلو في محبة أو تعظيم يخرج عن حد المشروع إلى تأليه أو إلى ادعاء عصمة أو غير ذلك من تهوينٍ وبخسٍ للمقادير ، وإلغاء لحقائق الإيمان أو صفة الإسلام أو نحو ذلك وكل هذا ضروب مختلفة وصور متنوعة من الاضطراب الخطير الذي تقع به في واقع الأمر مآس كثيرة وجرائم عظيمة لعل من أخطرها: أن يكون الفاعل لها مدعيا أنها من دين الله أو أنها تحقق المقاصد الشرعية التي أرادها الله - عز وجل - أو هدى إليها رسوله صلى الله عليه وسلم:
{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ هود:1121] .
فإن لم تكن ثمة استقامة فلابد أن يكون طغيان ، والطغيان زيادة عن الحق سيقابله تقصير في غيره ، وقد أسلفنا القول من قبل في قصة أبي الدرداء وسلمان الفارسي - رضي الله عنهما - وما انتهى إليه تقرير المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إن لربك عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً وإن لزورك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه ، ولقد قال - عليه الصلاة والسلام - في شأن هذا الاختلال ما هو أعظمه وأقصاه في المدى عندما وصف الخوارج بقوله: ( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) .
والغلو تلف وهلاك أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أوجز في بليغ كلامه وهو الذي أتي جوامع الكلم أوجز تاريخ البشرية وتاريخ الانحراف في الديانات والشرائع السماوية عندما قال:
( إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) .
إنه السبب الأساس والرئيس أ فلا يستحق أن نتحدث عنه ؟ وقد هون بعض إخواننا من ذلك لأنهم ربما لا يعرفون كثيرا من الأحوال والظروف والملابسات ليس في هذه البلاد فحسب بل في بلاد الإسلام كلها ، وقد رأينا بأمّ أعيننا وشهدنا وعلمنا أحوالا كثيرة اضطربت واختلت فيها الأمور ، وسفكت فيها الدماء ، وانتهكت الأعراض ، وسلبت الأموال ، واختلّ الأمن ، وضاع الأمان وما تحصلت مصالح كان يدعيها أولئك أو يتوهمونها وما قام شرع وما انتصبت أحكام إسلامية ولا عمت أخلاق ولا فضائل إيمانية ولا حصلت تربية إسلامية ذلك أن الطريق لم يكن صحيحاً ، وأن النهج لم يكن مستقيما وأن الفقه كان معلولا سقيما وأن الجهل كان مستحكماً مكيناً وذلك جزء من الأسباب لعله يأتينا الحديث عنه .