فهرس الكتاب

الصفحة 2300 من 9994

وهذه قضية واضحة بيّنة ، وأما التكفير فهو المدى الأعلى والغاية العظمى والمنتهى في شأن هذا الغلو ، فدونه مراتب قد تكون أخف ضرراً وأهون شراً وأما التكفير فالحكم بكفر المسلم وسلب اسم الإيمان والإسلام عنه يترتب عليه استحلال دمه وعرضه وماله وتنزيله منزلة الكافرين ، بل ما هو أشد لأنه ينزل منزلة المرتدين الذين كفروا بعد إسلامهم والعياذ بالله، واستمع لنداء الإيمان في الحال التي يتصور أنها حال القتل والقتال التي قد يظن أنها أبعد ما تكون عن البحث والتثبت والاستفصال، يقول الحق جل وعلا:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [ النساء: من الآية 94 ] .

{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله } ، إذا خرجتم في الجهاد والقتال في سبيل الله والأصل أن خروجكم هذا لغرض مواجهة الكفر وأهله ؛ فإن أعرضوا عن الإسلام وأبوا الخضوع له قاتلوهم ومع ذلك فتبينوا وتثبتوا واحرصوا على ألا توقعوا القتل على من لا يستحقه وصفاً وعملاً ، ويقول الحق - عز وجل - في هذا المعنى:

{ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً } [ النساء: من الآية 94 ] .

قال المفسرون: السلام يعني الإسلام بدليل قوله لست مؤمناً ، لا تقولوا لمن أظهر الإسلام لست مؤمناً تسلبون عنه صفة إسلامه وإيمانه ، وقيل السلام تحية الإسلام وهي السلام فمن ألقى عليكم السلام وأظهر بذلك شعار المسلمين فلا تقولوا لست مؤمناً ، أو الاستسلام أيكون السلام بمعنى الاستسلام ؟ أي الخضوع لسلطان الإسلام وإن لم يدخل فيه ؛ فإن الإسلام يحقن دمه ويحفظ عرضه وماله ويعظم له حقه بل ويحافظ عليه وهذا أمر مهم ، وقد قال أهل التفسير في ذلك: اطلبوا بيان الأمر وثباته ووضوحه في حال قتلكم وقتالكم وإذا قاتلتم فتبينوا حال من تقتلون..

بأهل إيمان وإسلام يظهرون شرائعه وشعائره في بلاد الإسلام والمسلمين لاشك أن الأمر ظاهر البطلان واضح الفساد لا يحتاج إلى بسط أدلة على حرمته وجرمه والأمر في هذا أوسع من أن نحيط به .

وقد روى أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية روايات كثيرة كلها يدور على أنه قد وقع من بعض الصحابة اجتهاد بسلب اسم الإسلام ممن أظهر مشاعره أو شعائره أو أقواله ومظاهره فنزلت الآية في هذا .

ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه بسند حسن قال: مرّ رجل من بني سليم بنفر من الصحابة كان يرعى له غنماً فسلم عليهم وكانوا في سرية، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوّذ منا ، فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه فنزلت الآية.

ونعرف ما مضى ذكره في حديث أسامة بن زيد في صحيح مسلم في بعث الحرقات يوم أهوى بسيفه على ذلك الرجل قال: لا إله إلا الله ، فأجهز عليه وقتله، فقال عليه الصلاة والسلام: ( أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ أ قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ؟ ) قال أسامة: فوددت أني لم أسلم إلا يومئذ .

وفي رواية أنه قال له عليه الصلاة والسلام: ( أفلا شققت عن قلبه فعرفت أقالها خوفاً أم لا ) .

وهذا أمر واضح بيّن .

وفي التحذير وردت نصوص كثيرة لعلّ بعضها يغني عن سرد كثير منها ومن ذلك:

حديث أبي ذر - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين واللفظ لمسلم عنه عليه الصلاة والسلام:

( من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ) .

أي إلا رجع عليه ذلك الوصف .

وحديث أنس أشمل وأوضح يقرر القواعد الأصيلة والوقاية ، والحماية المبنية على أصل العصمة بالإسلام والإيمان عن رسول الله عليه الصلاة والسلام:

( ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال: لا إله إلا الله لا يكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام والجهاد ماض إلى يوم القيامة منذ أن بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالقدر ) رواه الترمذي في سننه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه .

( الكف عمن قال: لا إله إلا الله لا يكفر بذنب ولا يخرج من الإسلام ) وقال العلماء في ذلك: مقالات كثيرة ملئت بها كتبهم وهم أهل العلم والبصيرة والفقه في دين الله ليسوا أمثالنا وأمثال كثيرين غيرنا ممن لا يحسنون تلاوة القرآن ، ولم يقرؤوا إلا النزر اليسير أو يعرفوا النزر اليسير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم إذا بهم يفتون في الدماء والأعراض ويفتون في أمور الأمة كلها ويفتئتون عليها وعلى من يتولى أمرها فيقومون بكل ما من حقه ألا يكون إلا بإجماع العلماء من الأكابر أو باجتماع الولاة والعلماء على أمر من الأمور العظيمة المتعلقة بالأمة .

قال ابن أبي العز رحمه الله: واعلم رحمك الله وإيانا أن باب التكفير عظمت الفتنة والمحنة فيه وكثر فيه الافتراء وتشتت فيه الأهواء والآراء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت