فهرس الكتاب

الصفحة 2301 من 9994

وقال ابن تيمية: أما من في قلبه الإيمان بالله الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلاً والخوارج من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيراً لها ، ولم يكن في الصحابة من كفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم للمسلمين الظالمين المعتدين .

وهذا أمره بين ظاهر .

والمخاطر - أيها الأخوة - كثيرة ولكننا في مقام الإشارة الجامعة الموجزة ، فأقف وقفتين مختصتين موجزتين اذكرهما ولعل وقتاً أو مقاماً آخر قد يتاح فيه تفصيلهما.

أولهما: ما يؤدي إليه التكفير من استحلال الدماء والأعراض والأموال ، وهو الخطر العظيم الجسيم الذي إذا ابتدأ أمره وترخص الناس فيه وفتحوا له أبواب التأويل واعتسفوا في فهم النصوص .

فإنه لا تبقى عصمة لنفس مؤمنة ولا دم حرام وينفرط عقد ذلك ، ويحصل به من الفساد ما الله - عز وجل - به عليم .

وينبغي ألا ننسى أن أعظم المنن التي منّ الله بها على العباد في سياق آياته وعلى البلد الحرام على وجه الخصوص نعمة الأمن والرزق وينزعها ويبطلها ويفسدها ويذهبها أن يصل الحد إلى التكفير الذي لا يأبه لذلك كله ، ولا يقيم له حرمة ولا يرعوي من هول وعيد الآيات العظيمة:

{ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [ النساء:93 ] .

وعيد يكاد ألا يكون له مثيل في شدته وقوته حتى قال بعض أهل العلم وينسب ذلك كذلك إلى ابن عباس:"أنه لا توبة لقاتل".

وإن كان الصحيح أنه له توبة لكن القول الذي قيل بعدم توبته يدل على عظمة الجرم الذي قضى من بعض أعل العلم أن يقولوا بمثل هذا القول.

وفي حديث بريدة - رضي الله عنه - كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال غي شأن القتل والجهاد والقتال:

( اغزو باسم الله في سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ) رواه مسلم في صحيحه .

إن كان هذا في شأن القتال وفي ميادينه مع أهله المستحقين له فكيف يكون غدر ؟ وكيف يكون غير ذلك في أهل الإسلام ؟

ولعلنا نشير إلى قول جامع في هذا الأمر يبين الخلل الذي يستند إلى هذا في مقال ابن تيمية رحمه الله قال:

"طريقة أهل البدع يجمعون بين الجهل والظلم فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة ويكفرون من خالفهم في بدعتهم ويبنون على هذا التكفير قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان"، ثم قال:"يكفرون الناس ابتداء ويبنون على ذلك استحلال الدماء والأموال ، فاستحلالهم دماء المسلمين نتيجة لغلوهم وابتداعهم إذ يرون من ليس على طريقتهم خارجاً عن الدين حلال الدم وهذا شأن المبتدعة".

قال أبو قلابة رحمه الله: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف.

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

والمسألة الثانية الخطيرة - وحقيق أن يكون لها حديث مستفيض ولكنه الإيجاز الذي نؤكد به أصول هذه المسائل - وهي قضية: الخروج على الأئمة ونقض الطاعة في بلاد مسلمة تعلن الإسلام أو تظهره وترفع شعائره وتقيّم أحكامه .

وهذا لا يعني أن الكمال فيها أي في هذه البلاد ولا في غيرها من البلاد تاماً ولا يعني أنه ليس فيها نقص أو خلل أو ليس فيها معصية أو إثم أو ليس فيها مخالفة أو منازعة لما ثبت بأصل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

لكن لذلك كله أحكاماً وله ما يتعلق به من سبل الإصلاح والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك .

وهذا مقام يطول الحديث فيه .

ولعلنا نستحضر الحديث العظيم حديث عبادة بن الصامت:"بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم عليه من الله برهان ."

وقد تكلم أهل الإسلام وعلماؤه في جمهورهم: أنه ينبغي مراعاة المصالح والمفاسد حتى وإن تعين أو ثبت الكفر البواح ؛ فإن معالجته ومناهضته بالقتل والقتال إذا كان يفضي إلى المفاسد الأعظم من اختلال الأمن وإزهاق الأنفس وسفك الدماء وعدم تحقق المقصود أنه منهي عنه شرعاً لما يترتب عليه من الفساد .

وهذا أمره كثير وعظيم .

وقد قال فيه العلماء مقالات نفيسة أختم بها في هذا المقام من ذلك قول ابن أبي العز رحمه الله:"وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم لما في الصبر على جورهم مع ما في الصبر على جورهم من تكفير السيئات ومضاعفة الأجور".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت