فهرس الكتاب

الصفحة 7734 من 9994

ولقد جعل الله في الرقية الشرعية من الكتاب والسنة ما يغني عن إتيان هؤلاء المشعوذين، والوقوع في الإثم والكفر، فإن القرآن شفاءٌ لجميع العلل والأدواء، بدون استثناء، ولا سيما المعوّذات، سورة الإخلاص والفلق والناس وفاتحة الكتاب (سورة الحمد) والكافرون، وكذلك يراجع ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الأدعية في هذا الباب.

ومن العلاج النبوي: ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:"الشفاءُ في ثلاثة: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أو شربةِ عسلٍ، أو كيَّةٍ بالنارِ وأنهى أمَّتي عن الكيِّ".

قال الخطابي:"انتظم هذا الحديث على جملة ما يتداوى به الناس، وذلك أن الحجم يستفرغ الدم وهو أعظم الأخلاط، والحجم أنجحها شفاء عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مسهِّل للأخلاط البلغمية ويُدخَل في المعجونات ليحفظ على تلك الأدوية قُواها ويخرجها من البدن، وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلّم ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها: (آخر الدواء الك ) وقد كوى النبي صلى الله عليه وسلّم سعد بن معاذ وغيره، واكتوى غيرُ واحدٍ من الصحابة". أ. هـ.

قال ابن حجر - رحمه الله - في الفتح:"ولم يُرِدِ النبي صلى الله عليه وسلّم الحصر في الثلاثة (الحجامة والعسل والكي) ، فإن الشفاء قد يكون في غيرها وإنما نبَّه بها على أصول العلاج". أ. هـ.

ولا شكَّ أن الأمراض تختلف، والأبدان تختلف أيضاً، فالمريض عليه أن يسعى في حدود المباح من العلاج، ففيه غُنْيَةٌ عن المحرَّم. والله المستعان.

وعلى المريض أن يلهج بالدعاء، فإن المرض قد نزل بقدر الله، وهو سبحانه القادر على رفعه، وقد قال صلى الله عليه وسلّم:"الدعاءُ ينفعُ ممَّا نزَلَ وممَّا لمْ ينزلْ، فعليكُم عبادَ اللهِ بالدُّعاءِ". [رواه الترمذي، وهو حديث حسن له شواهد، انظر تحفة المريض هامش صـ 75 ـفحة] .

قال ابن تيمية رحمه الله:"الدعاء سبب يدفع البلاء، فإذا كان أقوى منه دفعه، وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ويضعِّفه". أ. هـ.

فإذا طال المرض واستمرَّ الألم فإياك أن تسيء الظن بربك سبحانه، فإنه عليم حكيم لا يُتَّهم في قضائه، ولا تيأس من رحمته ونزول شفائه مهما كان المرض خطيراً، فهذا نبيُّ الله أيوب عليه السلام مكث في بلائه ومرضه ثمانية عشر عاماً ولم ييأس من الشفاء، بل تضرع ودعا، قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) . [سورة الأنبياء، الآية: 83] . فجاءه الفرج، قال سبحانه: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) . [سورة الأنبياء، الآية: 84] .

وغيره كثير، وما يتذكر إلا أولو الألباب.

هذا وأسأل الله الكريم الحي القيوم أن يشفي جميع مرضى المسلمين، وأن يجبر مصابهم، وأن يكشف غمَّ مغمومهم، وأن يفرّج كرب مكروبهم، إنه على كل شيء قدير.

كما أسأل الله سبحانه أن يدمر السحرة والكهان والعرافين وأعوانهم من الشياطين، وأن يكفَّ شرهم عن المسلمين إنه جواد كريم.

الخطبة الأولى

الحمد لله (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) .

والصلاة والسلام على البشير النذير، وعلى آله وصحبه أولى العزم والتشمير.

أما بعد:

أيها المسلمون:

فكنا قد تحدثنا في مرة سابقة عن وسيلة هدم مدمرة، دأب أعداء الإسلام ومناوئوه على توجيهها نحو صرح الأمة من أجل تقويض بنيانه من القواعد، ففصلّنا القول عن أمر المجلات وخطرها، وضربنا الأمثلة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ونتحدث اليوم عن وسيلتهم العظمى، وجريمتهم الكبرى الهادفة لوأد كل فضيلة، ودفن كل مروءة.

فمعذرة - يرحمكم الله - إن نكأنا الجراح، وأوجعنا القلوب، محذرين من الفيديو وويلاته وجحيمه ومآسيه، وما جرَّه على الأمة من وبال. وما سبّبه لها من تعاسة، فقد دمرَّ في سنوات محدودة ما عجزت عنه جيوش الاحتلال الأجنبي، طيلة قرون عديدة!.

أيها المسلمون:

لقد رُفعت رايات المقاومة أبان الغزو العسكري الأجنبي - بغض النظر عن مصداقية كثير منها - بيد أننا لا نرى إزاء غزو أشرطة الفيديو المنهمرة علينا كالطوفان، لا نرى إزاءها أي مقاومة تذكر، لا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى الجماعة، بل أننا قد فتحنا لها الأبواب.

وإننا نتساءل بمرارة:

لمصلحة من تتاح الفرصة لهذا الفساد أن يجتاح على المسلمين بيوتهم، ويفسد عليهم أهاليهم وشبابهم ونساءهم؟!.

ولمصلحة من تلطخ الأمة بهذا الدنس وتُعمّ بهذا الوباء؟!

ولمصلحة من تُفتن الأمة بهذا البلاء عن دينها وأخلاقها وقيمتها؟!.

ولمصلحة من تُلهي الأمة، وتُغَفّل الشعوب عن سر قوتها، ومبعث عزتها، وأساس نهضتها وقوتها؟!.

ثم أي قضية يخدمها فيلم يعرض شاباً يحتضن فتاة من الشارع، وينطلق بها بسرعة جنونية إلى شقته لينتهك عرضها في وضح النهار، ثم يمارس عمله من الغد في مكتبه كالمعتاد، وكأن شيئا لم يكن، ودون أن يتعرض لحساب أو عقاب؟!.

ما القضية التي يهدف إليها فيلم مثل هذا سوى الدعوة الصريحة بان يمارس كل شاب العملية نفسها ليسود مبدأ الغاب، وتعم الفوضى إرجاء المجتمع، وتصبح بنات المسلمين نهباً مستباحاً لكل عربيد؟!.

إلا يلقن فيلم مثل هذا شباب الأمة دروسا في فن ّ الاختطاف والاغتصاب؟!.

ألا يعقب هذا تمزق حبل الأمن وتصدع جدار الطمأنينة وتشوب العداوات والتيارات؟!.

ثم أي قضية يخدمها فيلم آخر يعرض بغيّاً تقف ناحية الطريق متعطرة متجملة وتغمز بكل عابر سبيل؟!.

أي قضية يخدمها فيلم مثل هذا سوى الدعوة الصريحة إلى تشجيع سوق البغاء، وأن تصبح الأعراض غرضاً للتكسب والتجارة، وأن تباع وتشترى في سوق النخاسة على طريقة الجاهلية الأولى، بل جاهلية هذا القرن، الذي هبط فيها الإنسان إلى مستوى الأنعام بل هو أضل سبيلاً؟!.

ثم أي قضية يخدمها فيلم آخر يصور الفتاة القروية المتحجبة يصورها فتاة ساذجة مغفلة تتخذ أضحوكة البنات المدنيات المتحضرات، ثم تتجرأ على ممارسة الرذيلة شيئاً فشيئاً واحتراف الدعارة رويداً رويداً، لتصبح بعد ذلك واسعة الثراء عظيمة الجاه والمنزلة، يقف الجميع لها احتراماً، ويطرق الكل لها إجلالاً؟!.

أي قضية يخدمها فيلم مثل هذا سوى الدعوة الصريحة لنبذ الحجاب ولعن الجلباب، واتخاذ النساء والأخدان والأصحاب؟!.

إلا يوحي هذا الفيلم بمثل هذا؟!.

إلا يوحي إلى المرأة المحافظة - بالصوت والصورة - أنك إن أردت أن تتحضري، وأردت أن تتمدني وتشيدي مملكة الثراء فألقي بالحياء جانباً، ومزَّقي الحجاب بعنف، وابذلي العرض بثمن زهيد؟!.

يا للعجب! كأن مشاكل المسلمين قد حلت كلها، ولم تتبقى سوى الحجاب مشكلة والحياء معضلة والعفة قضية؟!.

ثم أي قضية يخدمها فيلم آخر يعرض مجموعة من الأحداث الصغار يكونون عصابة مخيفة تدوّخ رجال الأمن، وتبوء كل مطارداتهم لها بالفشل الذريع بفضل المهارة الفائقة التي يحسنها أولئك الأحداث في قيادة سياراتهم، وتغيير خططهم ومواقفهم وأفكارهم؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت