• وأن لا يذكر له ما يحزنه أو يزيد في مرضه.
وبعض الناس حين يزورون المرضى يُثقلون على أنفسهم، فيحملون إلى المريض هدايا وغيرها، وقد يحملون أموراً من غير عادات المسلمين.
وهذا ليس من آداب الزيارة في شيء، بل هو تكلُّفٌ ظاهر، ومجاملات ثقيلة، وتقليد أعمى، وهو قد يؤدي بمن لا قدرة لهم على التقاعس والقعود عن الزيارة الشرعية التي أمر الله بها ورسوله، والمريض بأمسِّ الحاجة للدعاء، والكلمات الطيبة أولى من هذه المحمولات، وأما ما كان صدقة لفقير أو مساعدة لمحتاج أو نوعاً من علاج فهذا له شأن آخر، والله المستعان.
أيُّها المسلمُون:
إن المريض بأمسّ الحاجة إلى الصِّلة بربِّه، والمحافظة على فرائضه ومعرفة أحكام دينه، ومن هنا لا بدَّ من التنبيه على كيفية طهارة المريض وصلاته، فعندما لا يستطيع المريض أن يتطهَّر بالماء لعجزه عن ذلك، أو خوفه من زيادة المرض، أو تأخُّر الشفاء فإنه يتيمَّم.
وكيفية التيمم:
أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضربةً واحدةً، فيمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.
فإن لم يستطع المريض أن يتطهر بنفسه فإنه يوضِّئُهُ أو يُيمِّمُهُ إنسان آخر، فيضرب ذلك الإنسان الأرض الطاهرة بيده، ويمسح بها وجه المريض وكفيه، ولو كان لا يستطيع أن يتوضأ بنفسه فليوضئه آخر.
وإذا كان في يده أو قدمه أو غيرهما من أعضاء الطهارة جرح وغسْلُهُ بالماء يؤثر عليه ويضره فإنه يمسحه مسحاً، فيبلل يده بالماء ويُمِرُّهَا عليه.
وإن كان المسح يؤثر عليه أيضاً فإنه يتيمم عنه - ولله الحمد والمنة - على تيسيره، وإن كان في بعض أعضائه كسر مشدود عليه قماش أو جبس فله أن يمسح عليه بالماء بدلاً من غسله.
ويجب على المريض أن يطهر بدنه وثيابه من النجاسات، فإن كان لا يستطيع صلى على حسب حاله وصلاته صحيحة.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - ما نصُّهُ:"المرض لا يمنع من أداء الصلاة بحجة العجز عن الطهارة ما دام العقل موجوداً، بل يجب على المريض أن يصلي حسب طاقته، وأن يتطهّر بالماء إذا قدر على ذلك، فإن لم يستطع استعمال الماء تيمم وصلى، وعليه أن يغسل النجاسة من بدنه وثيابه وقت الصلاة، أو يبدل الثياب النجسة بثياب طاهرة وقت الصلاة، فإن عجز عن غسل النجاسة وعن إبدال الثياب النجسة بثياب طاهرة سقط ذلك عنه وصلى على حسب حاله لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . [سورة التغابن، الآية: 16] ."أ. هـ [فتاوى مهمة في الصلاة، صـ 28 ـفحة] .
وأما كيفية صلاة المريض:
فإنه يجب عليه أن يصلي الفريضة قائماً ولو منحنياً أو معتمداً على جدارٍ أو عصا، إذا كان محتاجاً لذلك، فإن كان لا يستطيع القيام صلى جالساً والأفضل أن يكون متربعاً في وضع القيام والركوع، فإن كان لا يستطيع الصلاة جالساً صلى على جنبه متوجهاً إلى القبلة، والجنب الأيمن أفضل، فإن لم يتمكن من التوجه إلى القبلة صلى حيث كان اتجاهه وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، فإن كان لا يستطيع الصلاة على جنبه صلى مستلقياً رجلاه إلى القبلة والأفضل أن يرفع رأسه قليلاً ليتجه إلى القبلة، فإن لم يستطع أن تكون رجلاه إلى القبلة صلى حيث كان ولا إعادة عليه.
ويجب على المريض أن يركع ويسجد في صلاته، فإن لم يستطع أومأ بهما برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع. أ. هـ [بتصرف من رسالة للشيخ محمد العثيمين - رحمه الله - حول طهارة المريض وصلاته] .
هذا وينبغي على المريض أن يتنبّه إلى ثلاثة أمور:
الأول: أنه يجب عليه أن يؤدي كل فريضة في وقتها.
فإن شقَّ ذلك عليه فيجوز له أن يجمع - بدون قصر - بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وأما الفجر فلا جمع له مع صلاة أخرى.
الثاني: ومن فاتته عدة فروض من الصلوات بنحو عملية جراحية فإنه يصليها بعد إفاقته من العملية جميعاً في آنٍ واحدٍ، ولا يؤخرها إلى أوقات أخرى.
قال الشيخ ابن باز:"ومتى زال شعور المريض بسبب البنج أو شدة المرض قضى الصلوات التي فاتته من حين يرجع إليه شعوره مرتبةً، وبادر بذلك حسب طاقته لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: مَن نامَ عن صلاةٍ أو نَسيها فليُصَلِّها إذَا ذَكَرهَا، لا كفَّارةَ لها إلا ذَلك."
ولا شك أن المغمى عليه بسبب المرض أو البنج يوماً أو يومين أو ثلاثة في حكم النائم، ولا يؤخر الصلوات التي عليه حتى يصليها مع مثيلاتها، بل عليه أن يبادر بذلك من حين يرجع إليه شعوره كالنائم إذا استيقظ، والناسي إذا ذكر". أ. هـ [فتاوى الدعوة 2/ 137] ."
الثالث: أنّ الإغماء ينتقض به الوضوء.
هذا ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبُّ ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الشافي، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وخليله وأمينه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان وسلم تسليما،
أمَّا بعدُ:
فيَا أيُّها المسلمُون:
اعلموا أنه مهما كان المرض شديداً ومعقداً فلا بد له من دواء عَلِمه مَن عَلِمه، وجَهِله مَن جَهِله، ومتى علم بهذا المريضُ استأنس به وقوي جانب الرجاء وانتظار الفرج، قال صلى الله عليه وسلّم:"مَا أنزلَ اللهُ مِن داءٍ إلا أنزلَ لهُ شفاءً". [رواه البخاري] .
وقال صلى الله عليه وسلّم:"لكلِّ داءٍ دواءٌ، فإذَا أُصيب دواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلّ". [أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه] .
فلا حرج على المريض في طلب التداوي والعلاج المباح، وبذل أسباب الشفاء، وليعلم أن الشافي حقيقة هو الله سبحانه، فليعلق قلبه بالله وليعتمد عليه، قال عزَّ وجلّ عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) . [سورة الشعراء، الآية: 80] . وقال سبحانه: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) . [سورة الأنعام، الآية: 17] .
وعلى المريض ومن يتولى أمره أن يحذروا من التداوي بالمحرم فإنه لا يجوز، ولم يجعل الله سبحانه شفاء المرضى في الحرام أبداً، فالخمر مثلاً ليست بدواء وإنما هي داءٌ كما قاله النبي صلى الله عليه وسلّم فيما رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلّم:"إنَّ اللهَ لَمْ يجعلْ شفاءَكم في حرَام". [رواه أبو يعلى وصححه ابن حبان] .
ومن التداوي المحرم: الدم المسفوح؛ فهو نجس محرم، لا يجوز التداوي به.
ومن الأمور المحرمة: إتيان السحرة والكهان والعرافين وغيرهم ممن يدعي معرفة الغيب بحجة العلاج، قال صلى الله عليه وسلّم:"مَن أتَى عرَّافاً فسألهُ عن شيءٍ لمْ تُقبلْ لهُ صلاةُ أربعينَ ليلة". [رواه مسلم] .
وهذا في مجرد سؤالهم، أما من صدَّقهم فقد وقع في الكفر والعياذ بالله، قال صلى الله عليه وسلّم:"مَن أتى كاهناً أو عرَّافاً فصدَّقهُ بما يقولُ فقدْ كفرَ بما أُنزلَ عَلى محمَّدٍ صلى الله عليه وسلّم". [رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح] .