(11) أخرجه:أحمد (16569) ؛ وابن ماجه (43) من طريق عبدالرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية ، وأخرجه: الترمذي: (2600 ) من طريق بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عبدالرحمن به ، وأخرجه: ابن ماجه (42) من طريق الوليد بن مسلم عن عبدالله بن العلاء عن يحي بن أبي المطاوع عن العرباض ولا تخلو هذه الطرق من مقال لكن يجبر بعضها بعضاً على قاعدة التقوية بمجموع الطرق فأقل أحواله أنه حسن لغيره .
(12) متفق عليه: البخاري (2499) ، ومسلم (3242) .
(13) أخرجه: مسلم (1435) .
(14) مدارج السالكين: (1/96) .
(15) سورة: التوبة:آية (36 ) .
(16) متفق عليه: البخاري (2958) ، مسلم (3179) .
(17) أخرجه: البخاري (4675) ، و مسلم: (2487) .
الخطبة الأولى
الحمد لله الحق المبين لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وخلق كل شيء فقدره تقديراً أحمده سبحانه فله الحمد كله أوله وآخره ظاهره وباطنه وهو الولي الحميد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقضي ما يشاء ويحكم ما يريد وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله لم يترك خيراً إلا دل الأمة عليه ولم يدع شراً إلا حذرها منه بلغ الرسالة . أما بعد. .
فاتقوا الله عباد الله روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً و يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ) (1) .
عباد الله أيها الناس في حديث أبي هريرة عند الترمذي: (( بادروا بالأعمال فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) ) (2) . أيها الناس إن الدنيا قد آذنت بصرم وانقضاء وزوال وفناء ?اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ? (3) . ?فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا? (4) ، ?وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ? (5) . فالساعة قد اقتربت أيها الناس، وإن مجيئها بظهور أشراطها وكثير من علاماتها التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم فإن النبي قد أكثر من بيان تلك الأشراط والعلامات تحذيراً وتنبيهاً للأمة تهيئة وإرهاصاً للساعة لعظم هولها وشدة خطرها ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ? (6) . ألا وإن أعظم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بين يدي الساعة وأشده هولاً خروج الدجال شر غائب ينتظر فما كان ولا يكون إلى يوم القيامة أعظم فتنة منه وأشد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين: (( مابين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال ) ) (7) . ولذلك أجمعت الأنبياء على تحذير أقوامهم منه فما من نبي إلا حذر أمته الدجال ولقد بين نبينا صلى الله عليه وسلم أمر الدجال بياناً وافياً شافياً فجاءت السنن والأخبار عن النبي المختار تصف عظيم فتنته وتنعت زمن خروجه تذكر صفاته وتقص أخباره وأنباءه وتبين للناس المخرج والملجأ من شره وفتنته.
أيها الناس أخبر من لا ينطق عن الهوى أن خروج الدجال يكون في زمن مظلم تنطمس فيه أنوار الهدى عن أكثر الأرض زمن يدرس فيه العلم ويقل العمل زمن يخف فيه الدين ويضعف ويظهر فيه الربا والزنى ويشيع فيه الخمر والغناء زمن تهدر فيه الدماء ويكثر فيه القتل زمن يتطاول فيه السفهاء ويتحير فيه العلماء زمن يضعف فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زمن تمتهن فيه الشريعة ويعز أنصارها زمن يغفل فيه ذكر الدجال فلا يذكر إلا قليلاً هذه بعض أوصاف الزمن الذي يخرج فيه هذا الفتان وقد وقع في الناس كثير مما جاءت به الأخبار التي تصف وقت خروج الدجال فكيف يأمن المرء على نفسه من فتنة الدجال وقد خافه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهار؟ فقال لهم صلى الله عليه وسلم مسكناً لهم ما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان: (( إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم ) ) (8) . أيها الناس إن فتنة الدجال فتنة تدهش العقول وتطير الألباب وتفقد الصواب فإن الله تعالى يبتلي بالدجال الناس ليتبين الصادق من الكاذب والموقن من المرتاب. فمن فتنته أنه يأتي على القوم فيدعوهم إلى عبادته فيستجيبون له فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ويأتي على القوم فيردون قوله فينصرف عنهم ممحلين مجدبين. ومن فتنته أن معه جنة وناراً يفتن بهما الناس فمن أطاعه أدخله جنته وهي نار تلظى ومن كذبه أدخله ناره وهي جنة غناء ومع هذا وغيره من أسباب الفتنة إلا أن الله يثبت الذين آمنوا فقد أقام الله عز وجل في الدجال من الصفات ما يدل على كذبه وأنه ليس رب العالمين، فمن علامات كذبه أنه أعور العين اليمنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا يخفى عليكم: إن الله ليس بأعور وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافئة ) ) (9) . فكيف يصح أن يكون رب العالمين وهو عاجز عن أن يدفع عن نفسه النقص والعيب؟ والله تعالى له الأسماء الحسنى وله المثل الأعلى?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ? (10) . ومن العلامات التي يعرف بها كذبه أنه مكتوب بين عينيه كافر أو ك ف ر وهي علامة يقرؤها كل مؤمن كاتب أو غير كاتب. ومن علاماته الدالة على كذبه أن أكثر أتباعه اليهود فإنه يتبعه من يهود أصبهان وحدها سبعون ألفاً وهذا من العجائب والعجائب جمة. أيها المؤمنون إن مدة هذه الفتنة العمياء أربعون يوماً: يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وباقي أيامه كسائر الأيام وإن أول نهايته وهزيمته أنه يأتي قرب المدينة النبوية وهو ممنوع من دخولها فيخرج له شاب فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله حديثه فيقتله ثم يحييه فيقول له الدجال: أتؤمن بي؟ فيكذبه فيريد الدجال قتله فلا يتمكن (11) . ثم إن الله يأذن لأهل الإيمان بالفرج فينزل عيسى بن مريم فيطلب الدجال فيدركه بباب لد في فلسطين فما أن يراه الدجال حتى يذوب كما يذوب الملح في الماء لكن الله يمكن عيسى من قتله فيقتله بيده ثم يري الناس دمه في حربته وبهذا يطوى خبر أعظم فتنة يبتلي الله بها البشر. اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. . .
الخطبة الثانية
أما بعد. .
فاتقوا الله عباد الله واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن واعلموا عباد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأمته طريق النجاة من أعظم فتنة، من فتنة الدجال وهذا السبيل النبوي للنجاة يمثل منهجاً للمؤمن يستمسك به لينجو من كل فتنة. أيها المؤمنون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال: (( من سمع به فلينأ عنه ـ أي: ليبعد وليهرب منه ـ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه لما يبعث به من الشبهات ) ) (12) نعوذ بالله من الخذلان. فعلى المؤمن أن يبعد نفسه عن كل أسباب الزيغ والضلال وألا يأمن على نفسه فإن الله يحول بين المرء وقلبه.