وما تحقق لهم ذلكَ إلا عِندما زكتْ نفوسُهم ، وارتفعتْ هممُهُم ، وقوي إيمانُهُم ويقينُهُم ، فبارَكَ اللهُ في أعمارِهم ، وزكَّى أقوالهمْ وأعمالهمْ ، فكانوا أئمة هُدىً ، ومصابيحَ دُجىً .
أسألُ اللهَ تعالى أن تجدَ هذهِ الكلماتِ قبولاً في القلوبِ ، وأثراً في النفوسِ ، وأن تكونَ سبباً لبعثِ الهممِ من مراقِدها ، وإيقاظِ الأمةِ من سباتهِا وطولِ غفلتِها .
ثُمَّ إنْ لنا بعدَ اللهِ Y لأملاً في علماءِ الأمةِ ودعاتِها الأخيارِ ،ورجالاتهِا الأغيارِ ، وشبابِها الأبرارِ أن يُعيدوا ما مضى لأمتَّنا من مجدٍ تليدٍ ، وعزٍّ شامخٍ ، وأن ينفُخُوا الروحَ في الناسِ ، وينذروهُم موتةَ اليأسِ ، والجبنِ والخمولِ ، عسى أن نسيرَ إلى حياةٍ ساميةٍ ، وعزٍّ لا يَبلى ، وما ذلكَ على اللهِ بعزيزٍ .
ولا بُعدَ في خيرٍ وفي اللهِ مَطمعٌ ولا يأسَ من رَوْح وفي القلبِ إيمانُ
هذا وصلُّوا على المبعوث رحمة للعالمين .
[1] رواه الحاكم (1/48) والطبراني (6/181) وقد صححه الحاكم والهيثمي في المجمع (8/188) والعراقي في حمل الأسفار (3/259) .
[2] الظلال (6/3786)
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديهِ اللهُ فلا مُضل له، ومن يُظلل فلا هادي له.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسلمياً كثيراً.
عباد الله:
إنَّ في البلادِ المسلمةِ اليومَ ، مشكلةً من أعضلِ المشاكل، وأعمقها أثراً في حياةِ الأمةِ المسلمة، أنَّها مشكلةُ عزوفِ الشبابِ عن الزواج، والتي تتلخصُ في كلماتٍ، وهي أنَّ في المسلمينَ آلافاً مؤلفةً من البناتِ في سنِّ الزواج، لا يجدنَ الخاطب، وآلافاً مُؤلفةً من الشبابِ لا يُريدُونَ الزواجَ أو لا يجِدُون البناتِ هذه المشكلةَ الظاهرة ، إن لم يتنبه إليها المُسلمون، ويفتحُوا لها طرقَ العلاجِ بالحلالِ، فإنَّهُ لن يجدَ الشبابُ للوصولِ إلى حاجاتهم الغريزيةِ إلاَّ سلوكَ طريقِ الحرام، لأنَّ من النتائجِ الحتميةِ الظهور، والتي لا يُنكِرها عاقلٌ مسلم، إنَّ الفسادَ الخُلقي سببٌ في قلةِ الزواج، وقلةِ الزواجِ سببٌ في الفسادِ الخلقي.
عباد الله:
مشكلةَ عُزوفِ الشبابِ عن الزواجِ ما هيَ أسبابهُ وأضراره.
إنَّ من أسبابِ عُزوفِ الشبابِ عن الزواجِ تلك العاداتَ الشنيعةِ التي القصدُ منها الفخرُ والخيلاء، والتسابقُ إلى التبذيرِ والإسراف، ولو سُئلَ كثيرٌ من العزابِ اليومَ ما منعكم من الزواج ؟ لكانَ جوابُ الكثيرِ منهم في صوتٍ واحدٍ غلاءُ المهورِ غلاءُ المهور، لقد صارَ بعضُ الناسِ الآنَ يزيدُ في تطويرِ هذا الأمرِ ويدخلُ في المهرِ أشياءَ جديدة، تزيد الأمرَ كُلفَةً ومشقة، حتى أصبحَ المهرُ في الوقتِ الحاضرِ مما يتعسرُ أو يتعذرُ على الكثيرِ من الناس، فتجدُ الشابَ يُتعِبُ نفسهُ في عنفوانِ شبابه، ولا يكادُ يُدرِكُ ما يحصلُ به المرأة التي تحصنهُ، كل هذا بسببِ هذا التصاعدِ الذي لا داعيَ لهُ في المهورِ، جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ فقال إنِّي تزوجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النبي: على كم تزوجتها ؟ قال على أربع أواقٍ (( يعني مائةً وستينَ درهما"فقال له النبيُّ على أربعٍ أواق !! كأنَّما تَنحتُونَ الفضةَ من عُرْض الجبل ما عندنا ما نعطيك ) )رواه مسلم."
وقال عمر: (( لا تُغْلوا صُدُق النساءِ، فإنَّها لو كانت مكرُمةً في الدنيا أو تقوى في الآخرةِ، كانَ أولاكُم بها النبي ) )رواه الخمسة وصححه الترمذي
فيا أيُّها الأبُ المبارك:
لقد رضيتَ بالله رباً وبالإسلامِ ديناً، وبمحمدٍ نبياً ، وإنَّ من دين الإسلامِ وشريعةِ ربنا، ومنهجِ نبينا التيسيرَ في المهورِ، هاهو ذا- صلى الله عليه وسلم- يقول: (( أعظمُ النكاحِ بركةً أيسرُهُ مؤنة ) ).
فإن كنتَ صادقاً في دعواكَ فهات برهان ذلك بالإتباع !؟
وسببٌ آخر للمشكلةِ وهو التعذرُ بمواصلةِ الدراسة، إنَّ الكثيرَ من الشبابِ لا يرغبُونَ في الزواجِ بحجةِ أنَّ الزواجَ يحولُ بينهم وبين مواصلةِ الدراسة، وهذهِ حجةٌ داحضة، بل الصحيحُ العكس، لأنَّهُ ما دام أنَّ الزواجَ تحصلُ به مزايا كثيرة، منها السكونُ والطمأنينةُ وراحةُ البال، وقُرةُ العين، فهذا مما يساعدُ الطالب على التحصيل، لأنَّهُ إذا ارتاحت نفسُهُ وصفا فكرهُ وهدأ بالُهُ، ساعدَ ذلكَ التحصيلُ العلمي لدى الطالب، أمَّا عدمُ الزواجِ فإنِّهُ في الحقيقةِ هو الذي يحولُ بينهُ وبينَ من يُرِيدُ التفوقَ العلمي، لأنَّهُ مشوشُ الفكر، مضطربُ الضمير، قلقُ النفس، إن فتحَ كتاباً ليقرأ بدأ يقرأ في بحرِ أفكارهِ وخطرا تهِ وهوا جيسه .
سببٌ ثالث: وهُو ما يُردِدُهُ بعضُ أربابِ الأفكارِ اللقيطة، الذينَ ينفثُونَ سُمُومَهم عبرَ قنواتٍ مُتعددة، كالمقالاتِ والقصصِ الأدبية، والمسلسلات التلفازية، التي يُقررون من خلالِها مُشكلاتِ الزواجِ وسلبياتهِ التي يزعمون. فالشابُ إذا قرأ أو شاهدَ مثل هذه الأخبارُ والمشاهد، لسانُ حالهِ يقول: لماذا أقحمُ نفسي في مثلِ هذا ؟ أنا غنيٌّ عن ذلك ؟
لكننا نقولُ: إنَّ للزواجِ مزايا وحسناتٍ ترجح على ما ذكروهُ من مشاكلٍ وسلبيات، وليس في الدنيا شيءٌ إلاَّ ويقابلهُ شيءٌ ، نحنُ لا نقولُ إنَّ الزواجَ لا مشاكل فيه كلا، فهذا بيتُ خير الخلق وصفوةُ الأمة- صلى الله عليه وسلم- لم يخلو بيتهُ من ذلك، ولو كانت الدنيا تصفُو لأحدٍ لصفت لأنبيائهِ ورسله، لكن في الزواجِ مصالحَ ومنا فعَ ترجحُ على هذهِ المشاكلِ والسلبيات، وبالتالي تُنسيها .
أين هؤلاءِ الذين أغفلوا منافعَ الزواج ومصالحهِ عندما يعودُ الإنسانُ إلى بيتهِ وهو مثقلُ الجسمِ من التعبِ والنصب، ويستقبلهُ أهلهُ باستقبالٍ كُلَّهُ فرحٌ واستبشارٌ بقدومه، فينسى الإنسانُ تعبهُ ونصبه، أينَ هُم من سُرورِ القلبِ، وفرحَ النفس؟ أينَ هُم من تحصينِ الفرجِ وقضاءِ الوطرِ وحمايةَ العرض، هل اغفلُوا ذلك كلهُ وغيرهُ كثيرٌ من أجلِ مُشكلةٍ تزولُ في يومها، فليعتبر المؤمنُ من ذلكَ، والتجربةُ خيرُ برهان .
وسببٌ رابع: وهُو عدمُ الرغبةِ في تحملِ المسؤولية: يعزفُ بعضُ الشبابِ عن الزواجِ لأنَّهُ مسؤوليةٌ عظيمة، وارتباطٌ وقيد، نعم إنَّ الزواجَ مسؤوليةً لابدَّ من مُراعاتها، وكيانٌ لابدَّ من تلبيةِ رغباته، كما أنَّهُ ارتباطٌ لكنهُ ارتباطٌ من نوعٍ آخر، ارتباطٌ يشعرُ الإنسانُ من خلالهِ بأنَّ لهُ سكنٌ يسكنُ إليه، وبيتٌ يتوددُ إليه، يجدُ فيه الأنس والألفة، يجدُ فيه الاستقرارَ والسكينة، يجدُ فيه الأبناءَ والأحفاد، يجدُ فيه الطاعةَ والإتباعَ وغيرُ ذلك، أضف إليها أنَّهُ قُربةٌ وأجر، قربةٌ إذا أراد الإنسانُ به إحصانَ فرجهِ عن مُحرماتِ الله، وأجرٍ إذا وضعَ نطفتهُ فيما أحلهُ الله .
أيُّها الشاب: