قارن بينَ هذا الذي تحملَ المسؤوليةَ لكن وجدَ لهذه المسؤوليةَ لذةٌ وسعادة، مع ذلك الذي لا زوجةَ له ولا ولد ، فراراً من المسؤولية، إنَّ رحمتهُ بالناسِ مفقودة، وشفقتهُ عليهم غيرَ موجودة، لا يهمَهُ إلاَّ بطنهُ وظهره، ولا يجمعُ من المالِ إلاَّ ما يكفيهِ لحياته، هو عالةٌ على أهلهِ في صغره، وغيرَ مأمولٍ في كبره، إذا طالَ عُمرهُ فغيرَ مُلتفتٍ إليه، وإذا ماتَ فغيرَ مبكيٍّ عليه! كيفَ به إذا اشتعلَ الرأسُ شيباً، وبلغَ من العُمرِ عتياً، فمن يُعينَهُ ويقضي حوائجهُ، لا تغتر الآنَ بزهرةِ الشبابِ، لكن تأمل مستقبلَ حياتِكَ كيف تكون؟ وقارن ذلك بمن رضيَ بشيءٍ من المسؤولية، وأصبحَ قريرُ العينِ في شبابهِ وشيبه!! أرادَ ابن عُمر أن لا يتزوجَ، فقالت له حفصة: يا أخي لا تفعل تزوّج ،فإنَّ وُلدَ لك ولدٌ كانوا لكَ أجراً، وأن عاشوا دعوا الله لك ،
وسببٌ خامس: وهو الاستغناءُ بالحرامِ عن الحلال: يلجأ بعض الشبابِ هداهم الله إمَّا إلى طُرقٍ سريِّةٍ خفيةٍ لإبرازِ ضرامِ الشهوة، التي حرمها جمهورُ أهل العلم، عملاً بقولهِ تعالى: (( فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) ) (سورة المؤمنون:7) .
وإما الاغترافُ من حمأةِ اللذةِ المحرمة، وسلوكِ سبلَ الضلالِ، لتُبذلَ فيها الصحةُ والشبابُ في لذةٍ عارضةٍ، ومتعةٍ عابرة، ثم هو لا يشبعُ، بل كُلما واصلَ واحدةً زادهُ الوصالُ نهماً، كشَّاربِ الماءِ المالح،لا يزدادُ شرباً إلاَّ ازداد عطشا، فيستغني بذلك عن ما أحله الله لهُ وأباحهُ، لكن لو تأملَ المسكينُ حالهُ لعلمَ أنَّهُ قد جلبَ العارُ والشنارُ على نفسهِ في الدنيا والآخرة .
هذه بعض أسبابِ عزوفِ الشبابِ عن الزواجِ، ولهذه المشكلةِ أضرارٌ وأضرار، فمن ذلك: بقاءُ الكثيرِ من النساءِ عوانسَ في البيوت ، مما يترتبُ على ذلكَ قلةَ النسل، ومن أضرارهِ انتشارُ الزنا، لأنَّ الشابَ لا يجدُ للوصولِ إلى قضاءِ حاجتهِ الغريزيةِ إلا سلوك الحرام، ومن أضرارهِ انطواءُ الشابِ على نفسه، وعلى أوهامِ شهوته، والتفكيرِ فيها وتغذيتها بالرواياتِ الرخيصة، والأفلامِ الساقطة، والمجلاتِ الماجنة، وأحلامِ اليقظةِ، ورؤى المنامِ حتى ينتهي الحالُ به إلى الهوس، أو انهيارِ أعصابه، وهذا كُلَهُ نتيجةَ ما نحسُّهُ اليومَ من جُمودٍ في حركةِ الزواج ، حتى أصبحت العزوبةُ الممقوتةُ أصلاً لدى عددٍ من الشبابِ ليس بالقليل، فاتقوا الله يا عباد الله، وتجاوزوا تلك العقباتِ، ويسِّروا الزواج، و إلاَّ بيقت بناتُكم في بيوتِكم بلا أزواج، وبقيَ أبنائَكم في منازلكم بلا زوجاتٍ، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم (( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) (سورة النور:32) .
بارك الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
عباد الله:
إننا نستطيعُ أن نُقسِمَ الشبابَ بالنسبةِ إلى الزواجِ والباءةِ إلى قسمين:
قسمٌ صادقٌ وهو من يعجزُ عن الإتيان بشروطِ الآباءِ المعجزةِ لزواج بناتهم، فيضعونَ العراقيلَ تلو العراقيلَ في سبيلِ ذلك، وهُو قد بذلَ جُهدَهُ، وسخَّرَ طاقَتهُ في محاولةِ الزواجِ، فهذا لا كلامَ لنا فيه، إلاَّ أن نسألَ اللهَ له أن يسر له الزوجة الصالحة التي تقر عينه .
وإمَّا القسمُ الثاني من الشبابِ وهُم المُعرضينَ عن الزواجِ بأسبابٍ تتساقطُ تدريجياً، وبتلقائيةٍ تامةٍ قبل أن يسقطها النقدُ والتمحيص، فإذا ادَّعى وتحججَ بغلاءِ المُهور، وهُو حقٌّ أريدَ به باطل، فتجدهُ يُكذِّبُ نفسهُ بنفسه، عبرَ سفرَاتهِ المتكررة، إلى خارج البلاد، ليتمتع بالحرية البهيمية، وإنَّكَ لتراهُ مجيباً للسفر، منفقاً على المومساتِ مع تقتيره على نفسه، وإذا عادَ إلى بلادهِ عاد إلى جمعِ المالِ والعودةِ به إلى الخارج مرةً أخرى، وأنتَ ترى بعض الزاعمينَ بتكاليفِ الزواج، تَراهم يركبُون السيارات الفاخرة، والملابس الرائقة، يصرفُ أموالهُ ويبددها في سبيلِ ذلك، وإذا ناقشتهُ في الزواجِ قال إنَّ المهور غالية، والبعضُ من هؤلاءِ الشبابِ عاطلٌ باطل، لا همَّ له إلا مطاردة النساءِ في الأسواق، والحديثِ عبر الهاتفِ ليلاً ونهاراً ؟ لم ذلك كله ؟ لأجلِ الشهوة، فلماذا لا يتزوجُ ويمنعُ نفسه منه ؟ يقول لا أستطيع أن المهور غالية ؟ فأين أنتَ ؟ أينَ عملك ؟ أم تريد أن نعطيكَ المرأةَ على طبقٍ من ذهب، تنامُ بالنهارِ وتسهرُ بالليل، وتقولُ زوجوني زوجوني أو اتركوا لي الحبلَ على الغارب، أعاكس الفتيات وأسعى للحصول منهنَّ على موعد، وما أكثر المواعيد ؟ وما أكثر اللقاءات ؟
نسألُ الله أن يعصم ذريتنا من الزلل .
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) ) (سورة سبأ:1) .
وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ لهُ، (( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (سورة التغابن:1) .
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ، البشيرُ النذير، والسراجُ المنير- صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلم- تسليمًا كثيراً. أمَّا بعد:
فيا أيَّها المسلمون:
اتقوا اللهَ تعالى، واشكروهُ على أن سخرَ لكم ما في السمواتِ وما في الأرضِ، وأسبغَ عليكم نعمهُ ظاهرةً وباطنة .
معشر المسلمين:
إنَّ شُكرَ اللهِ تعالى على نِعَمهِ دليلٌ على صدقِ العبوديةِ لهُ سُبحانَهُ، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ) (سورة البقرة: 172) .
وقال عزَّ وجل في سورة النحل: (( وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ) (سورة النحل: 114) .
إنَّ نِعَمَ الله علينا- أيَّها المسلمون- تترى، ومن ثَمَّ فلا تُحصى ولا تُستقصى، قال تعالى: (( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ) (سورة إبراهيم: 34) .
أيُّها المسلم:
لو أحسنَ إليكَ أحدُ الناس؛ فأخرجكَ من ضائقة، أو قضى لكَ حاجةً،
أو أعانكَ عل أمرٍ، أو حتى عامَلَكَ بلطف، فماذا سيكُونُ موقفُكَ منه ؟ لا شكَّ أنَّكَ ستصبحُ مقدرًا لهُ، وقد تقولُ مبالغةً في الشكرِ: إنَّي لا أعرفُ كيفَ أشكرُهُ وأردُ جَميلَهُ وتستمرُ في حياءٍ منه، وتعظيمٍ لهُ، هذا مع عبدٍ من العباد، وفي أمرٍ قد يحصلُ على قِلَةٍ وقد لا يَتكرر، فكيفَ يكونُ موقفُكَ أيُّها المسلمُ مع العزيزِ الوهاب، الغنيُّ الحميدُ التواب ، الذي يقول: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) ) .
ويقولُ: (( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ) (سورة لقمان: 20 ) .
ألا تستحي من ربكَ أيُّها المسلمُ وتشكرُهُ وتقدرُهُ وتطيعُ أمرَه، (( الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ) ) (سورة الإنفطار: 7) .
والذي رَزَقَكَ وحفظكَ، وسترَ عليكَ، وأَمَرَكَ بدعائهِ، ووعدَكَ الإجابة.