والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين علم الإنسان ما لم يعلم ?الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْأِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ? [ الرحمن:1-4] وأشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والعفو والإحسان واشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق ليمحو به الباطل بالحجة والبرهان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد
فيا أيها الناس إننا في هذه الأيام نستقبل أول العام الدراسي يستقبل فيه المعلمون والمتعلمون نشاطهم فيا ليت شعري ماذا أعدوا لهذا العام إنني أوجه كلمتي في هذه الخطبة إلى ثلاثة أصناف من الناس إلى المعلمين والى المتعلمين والى أولياء أمور المتعلمين أما المعلمون فإن من أهم ما يتعلق بهم أن يدركوا العلوم التي يلقونها إلى الطلبة إدراكا جيدا مستقرا في نفوسهم فلا يهملوا مراجعة الدرس قبل أن يلقوه إلى الطلبة لأنهم إذا أهملوا ذلك وقفوا أمام الطلبة فوقعوا في حيرة عند سؤال التلاميذ لهم ومناقشتهم إياهم وإن من أعظم مقومات الشخصية لدى الطلبة قوة المعلم في علمه ولا تنقص قوته العلمية في تقييم شخصيته عن قوة ملاحظته إن المعلم إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال فينحط قدره عند تلاميذه إن أجاب بالخطأ فلم يثقوا به بعد ذلك وإن انتهرهم عند السؤال والمناقشة فلن ينسجموا معه وقد ذكر لنا أن بعض المعلمين إذا ناقشه الطالب وليس عنده جواب صحيح انتهره وقال اجلس وليس هذا من آداب العلم إذن فلا بد للمعلم من إعداد واستعداد وتحمل وصبر وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي سيلقيه أمام الطلبة فإن عليه أن يحرص على حسن إلقائه إليهم بان يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني وضرب الأمثال ومناقشة الطلبة فيما ألقاه إليهم سابقا ليكونوا على صلة بالماضي ويعلموا أن هناك متابعة من المعلم وإذا كان على المعلم أن يجتهد في ذلك فعليه أن يكون حسن النية والتوجيه فينوي بتعليمه به الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الشفيق الرفيق ليكون لتعليمه اثر بالغ في نفوسهم وعليه مع ذلك أن يظهر أمام الطلبة بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل فان التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى من العلم من حيث التأثر لأن أخلاق المعلم وآدابه صورة مشهودة معبرة عما في نفسه ظاهرة في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادة التلاميذ واتجاههم أما المتعلمون فإنني أبذل لهم النصيحة بأن يحرصوا الحرص التام في تحصيل العلم من أول العام حتى يدركوا المعلومات إدراكا حقيقيا ثابتا في قلوبهم راسخا في نفوسهم لأنهم إذا اجتهدوا من أول العام أخذوا العلوم شيئا فشيئا فسهلت عليهم ورسخت في نفوسهم وسيطروا عليها سيطرة تامة أما إذا أهملوا وتهاونوا من أول العام واستبعدوا آخره انطوى عليهم الزمن وتراكمت عليهم الدروس فأصبحوا خاسرين عاجزين عن تصورها فضلا عن تحقيقها فيندمون بذلك حين لا تنفع الندامة ويبوءون بالفشل والملامة وإذا كان على المعلمين والمتعلمين واجبات تجب مراعاتها فإن على إدارة المدرسة أو المعهد أو عمادة الكلية أن ترعى من تحت مسئوليتها من مدرسين ومراقبين وطلاب لأنها مسئولة عنهم بمقتضى الأمانة التي تحملتها نحوهم وإنه من المؤسف أن بعض الناس يحاول أن ينجح بعض الطلاب من غير استحقاق لذلك ولا شك أن هذا خلاف الأمانة وأنه ظلم للطالب لأنه سيتخرج وهو غير أهل للتخرج فيكون فاشلا فيما يزاوله من أعمال بعد ذلك وإذا كان على المدرسة معلميها ومديريها وعمدها واجبات فإن على أولياء الطلبة من الآباء وغيرهم واجبات يلزمهم القيام بها فعليهم أن يتفقدوا أولادهم من بنين وبنات وأن يراقبوا سيرهم ونهجهم العلمي والفكري والعملي وألا يتركوهم هملا لا يبحثون معهم ولا يسألوهم عن طريقهم ولا عن أصحابهم ومن يعاشرون فان إهمال هؤلاء من أوليائهم ظلم وضياع ومعصية لما أمر الله به في قوله:?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ? [التحريم:6] فاتقوا الله عباد الله وليقم كل منكم بما أوجب الله عليه من حقوق الله وحقوق عباده فإن الله تعالى يقول:?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً? [ الأحزاب:70-71] اللهم وفقنا لأداء الأمانة وأعنا على ذلك على الوجه التام يا رب العالمين اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
(1) أخرجه الإمام أحمد في سنده مسند الشاميين ( 16370 ) والبخاري في كتاب العلم ( 69 ) ومسلم في كتاب الزكاة ( 1719 ) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما.
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسند في باقي من المكثرين من الصحابة ( 9593 ) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(3) أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده ( 20723 ) وابن ماجه رحمه الله تعالى ( 219 ) وأبو داود رحمه الله تعالى ( 3157 ) والترمذي رحمه الله تعالى ( 2606 ) والدارمي رحمه الله تعالى ( 346 ) من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه.
(4) أخرجه الإمام أحمد في باقي المكثرين من الصحابة ( 8489 ) ومسلم في كتاب الوصية ( 3084 ) و الترمذي في كتاب الأحكام ( 1297 ) والنسائي في كتاب الوصايا ( 3591 ) أبو داود في كتاب الوصايا ( 2494 ) الدارمي في كتاب المقدمة ( 588 ) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(5) أخرجه أحمد في مسنده ( 8103 ) وأبو داود في سننه في كتاب العلم ( 3179 ) وابن ماجه في سننه في كتاب المقدمة ( 248 ) والدارمي في كتاب المقدمة ( 259 ) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(6) أخرجه الإمام أحمد في مسنده في مسند المكثرين من الصحابة ( 6198 ) والبخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ( 3203) الترمذي في كتاب العلم ( 2593 ) الدارمي في كتاب المقدمة ( 541 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما .
(7) أخرجه الإمام أحمد في مسنده في مسند البصريين ( 19523 ) البخاري في كتاب العلم ( 65 ) مسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والريات ( 2180 ) وبن ماجه في كتاب المقدمة ( 129 ) من وحديث أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
(ك1) الأثر ذكره الخطيب رحمه الله تعالى في الجامع وبن عساكر رحمه الله تعالى في ذم من لا يعمل بعلمه وهذا الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
(ك2) لم نقف عليه.
(8) أخرجه الإمام أحمد باقي مسند الأنصار ( 24997 ) والبخاري في كتاب الرقاق ( 6021 ) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه احمد و البخاري ت ط ع.
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته