فهرس الكتاب

الصفحة 8680 من 9994

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور والحمد لله الذي له ما في السموات وما في لأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.

أما بعد

أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله وحده له الخلق وأن الله وحده له الأمر والحكم قال الله عز وجل: ?أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ? [الأعراف:54 ] وقال جل ذكره: ?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ? [ القصص: 88] فلا خالق الا الله ولا مدبر لشئون العالم العلوي والسفلي الا الله ولا حاكم للخلق ولا حاكم بين الخلق عند الاختلاف إلا الله ?وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ? [الشورى: 10] فالله وحده هو الذي يوجب الشئ ويحرمه وهو الذي يندب إليه ويحلله إما في كتاب الله أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه حين أكل الصحابة رضي الله عنهم من الثوم عام فتح خيبر وكانوا جياعا فأكلوا من الثوم أكلا شديدا ثم راحوا إلى المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد فقال الناس حرمت حرمت فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها) (1) ولقد أنكر الله على من يحللون ويحرمون بأهوائهم فقال تعالى:?قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? [يونس: 59-60] وقال جل ذكره: ?وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُون * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? [النحل:116-117] وأنكر الله تعالى على قوم اتخذوا من دون الله شركاء في التشريع فقال تعالى: ?أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? [الشورى:21] أيها الناس إن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شئ إنه حلال وهو لا يدري عن حكم الله فيه أو يقول عن الشئ إنه حرام وهو لا يدري أن الله حرمه أو يقول عن الشئ إنه واجب وهو لا يدري أن الله أوجبه أو يقول عن الشئ إنه ليس بواجب وهو لا يدري عن حكم الله تعالى فيه إن هذا لجناية كبيرة وسوء أدب مع الله عز وجل كيف تعلم أن الأمر لله والحكم اليه ثم تقدم بين يديه فتقول في دينه وشريعته ما لا تعلم انه من دينه وشريعته لقد قرن الله القول عليه بلا علم بالشرك به فقال تعالى: ?قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ? [الأعراف:33 ] أيها الناس إن بعض العامة يفتي نفسه أو يفتي غيره بما لا يعلم انه من شريعة الله عز وجل يقول هذا حلال أو هذا حرام أو هذا واجب وهو لا يدري عن ذلك أفلا يعلم هذا أن الله سائله يوم القيامة عما قال أفلا يعلم انه إذا أضل شخصا فقد باء بإثمه وإثم من اتبعه إلى يوم القيامة وإن بعض العامة إذا رأى شخصا يريد أن يستفتي عالما يقول له ما حاجة تستفتي هذا واضح هذا حرام مع أنه في الشرع حلال فيحرمه مما أحل الله له أو يقول هذا واجب مع أنه في الشرع غير واجب فيلزمه بما لم يلزمه الله به أو يقول هذا حلال مع أنه في الشرع حرام فيوقعه فيما حرم الله عليه أو يقول هذا غير واجب مع أنه في الشرع واجب فيحرمه من فعل ما أوجب الله عليه وهذا جنابة على شريعة الله وظلم لنفسه وخيانة لأخيه حيث غره بدون علم أرأيتم لو أن أحدا سئل عن طريق بلد من البلدان فقال الطريق من ها هنا وهو لا يعلم فضاع الرجل أفلا يعد ذلك خيانة وتغريرا هذا مع أن واضع الطريق بشر والبلد من متاع الحياة الدنيا فكيف بمن تكلم بما لا يعلم في شريعة الله التي شرعها لعباده لتوصلهم إلى رضوانه ودار كرامته وإن بعض العامة إذا رأى أحدا يريد أن يسال عالما يقول له قال الله عز وجل: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْالُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ? [ المائدة: 101 ] فينزل كلام الله على غير ما أراد الله إن هذه الآية إنما نزلت في وقت التشريع وقت التحليل والتحريم وقت حياة النبي صلى الله عليه وسلم أما بعد ذلك فانه يجب على المرء أن يسال عن دينه حتى يعبد الله على بصيرة وإن بعض العامة ينقلون عن أهل العلم كلاما أو فتوى نعلم إنهم لا يقولون بذلك وأنهم لا يفتون به لكن هؤلاء الناقلين وهموا في النقل إما لكونهم فهموا كلام العالم على غير مراده أو أنهم اساؤا التعبير في سؤالهم فأجابهم العالم بحسب ما فهم من سؤالهم فحصل الخطأ وربما كان لبعضهم قصد سئ فيما نقل عن العالم يريد بذلك تشويه سمعة العالم والتنفير منه لأنه أفتى بفتوى لا توافق هواه أو قال قولا لم يعرفه من قبل وهذا من أعظم الجنايات على الخلق لان التنفير عن أهل العلم ليس تنفيرا عنهم شخصيا بل هو تنفير متضمن للتنفير عن ما يقولونه من الحق فليحذر الإنسان من ذلك وليتب إلى الله عز وجل أفلا علمتم أن المشركين كانوا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم بالأمين يعتقدون في شخصيته الأمانة والثقة فلما جاء بالحق من عند الله قالوا إن هذا ساحر كذاب فالذين ينالون من أهل العلم والذين ينفرون الناس عن أهل العلم إنما يتضمن تنفيرهم هذا التنفير عن ما يقوله أهل العلم من الحق فليحذر الإنسان من التقول على أهل العلم وليتحرى الدقة والصحة فيما ينقل عنهم وإن من المتعلمين الذين لم يبلغوا مبلغا جيدا في العلم من هؤلاء المتعلمين من يقع فيما يقع فيه بعض العامة من الجرأة على شريعة الله في التحليل والتحريم والإيجاب فيتكلم فيما يجهل ويجمل في الشريعة ويفصل وليس معه من العلم الا كفقير بيده دريهمات إذا سمعت الواحد منهم يتكلم فكأنما ينزل عليه الوحي لجزمه فيما يقول ومجادلته فيما يخالف المنقول والمعقول ولقد أبلغني ثقة عن شخص أنه جادله في إمام صلى الظهر خمسا والمأموم يعلم أنه قد زاد في صلاته فقال هذا الرجل إنه يجب على المأموم أن يتابع الإمام في الزيادة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) (2) وعلى هذه القاعدة فلو صلى الإمام عشر ركعات لوجب على المأموم أن يأتم به ولكن هذا خطأ هذا الذي قال ذلك أخطأ في فهمه وأخطأ في حكمه أما كونه أخطا في الحكم فلأنه أوجب على المأموم أن يتابع إمامه في الزيادة وهذا معناه أن المأموم يتعمد أن يزيد في صلاته فيقع فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت