فهرس الكتاب

الصفحة 7944 من 9994

ما أكرم الله به هذا الرجل ما جاء في الصحيحين وغيرهما عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بثوب حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه فقال: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل أو خير منها وحمل سعدٌ إلى مقبرة البقيع وصَلّى عليه إمام المتقين ورسول الله العالمين وأصحابه والأكرمين ومشى أمام جنازته ، ونزل في قبره وتأثّر المسلمون أيضاً لفقده

لقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ما كان أحداً أشد فقداً على المسلمين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أو أحدهما من سعد .

وعن جابر قال: ( جاء جبريل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات ؟ فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش ... ) .

وعند النسائي وأبن سعد: ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هذا العبد الصالح الذي تحرك له العرش وفتحت أبواب السماء وشهده سبعون ألفاً من الملائكة لم ينزلوا إلى الأرض قبلَ ذلك ، لقد ضُمَّ ضمة ثم أفرج عنه ) ( السير 1/295 ) .

وعن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إن للقبر ضغطةً لو كان أحدٌ ناجياً منها نجا منها سعد بن معاذ ) ( أحمد ـ أسناده قوي قاله الذهبي ) .

قال الذهبي: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمة في الدنيا فهذا ونحوه ينال العبد .

أيها المسلمون:

هذا سعد بن معاذ فلم وَصِلَ إلى ما وصل إليه إنه توفيق الله له وفضلُهُ عليه .

إنه إيمانه الصادق وبذله لنفسه في سبيل الله ومحبتُهُ لله ولرسوله عمره في الإسلام سبع سنوات فقط كلها ولاءٌ لله ولرسوله ، هذه والله هي المفاخر، وهذا هو العز الباقي ، والشرف الرفيع ( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) البقرة105

ما نال سعد هذه المكانة بحياة اللهو والترف ولا بغناء والطرب ، ولا بالملاهي والسهرات ، وحشو البطون بأنواع المأكولات ، وتضييع الجمع والجماعات كلا فأين المستجيبون لله ولرسوله ؟ وأين الساعون لمجدٍ عريق ، في جنةٍ طابت وطاب نعيمها ؟ يا قومنا أجيبوا داعي الله وأسألوا ربكم الثبات ؟.

رضي الله عن سعد وجمعنا به في الفردوس الأعلى ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا ورضي الله عن الصحابة أجمعين ، وألعن الله من لعنهم ، وقاتل الله من أبغضهم ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم مع نبينا محمد .

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آل محمد الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً .

أما بعد: فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله استجابة لأمر ربكم (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ) (التوبة:119)

(( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) .

إخوة الإسلام: ومع ظاهرة التدين العالمية التي لم تعد قصراً على المسلمين وحدهم تجتاح العالم الإسلامي موجةٌ من التقليد الأبله والتشبه المذموم، ويكادُ أفرادٌ وجماعاتٌ من المسلمين أن يفقدوا هويتهم الإسلامية، وتذوب شخصياتُهم في شخصيات الآخرين فالهيئة يُداخلها التشبهُ بالكافرين إذ يُحلق ما حقُّهُ الإعفاءُ ويُعفى ما حقه الإحفاء في الشرع المطهر، قال عليه الصلاة والسلام: (( أَعْفُوا اللِّحَى، وجزوا الشَّوَارِبَ ، وَغَيِّرُوا شَيْبَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى ) ) [1] .

والملبسُ يطغى عليه الإسبالُ المحرم، أو تبدوا لقصرِه العورةُ المأمور بسترها، أو يُفصَّلُ على هيئة لباس غير المسلمين فتدعو المشابهة شكلاً إلى عدم المخالفة في الأمور الأخرى، والزينة فيها تعدٍ وتجاوزٌ فالذهبُ يتختم به بعض أبناء المسلمين، ومعلومٌ نصوصُ الشرع في تحريم لبس الذهب للرجال وإباحته للنساء بشكل عام، وفيما يخص التختم: (( رَأَى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ وَطَرَحَهُ وَقَال: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ ، فَقِيل لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ ، قَال: لا وَاللهِ لا آخُذُهُ أَبَداً وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ) ) [2] .

وهكذا يكون التأسي وكذلك يكون الإتباع .

والأمرُ أدهى وأمر .. وفي مضمار التميع وغياب العزِّة والهوية الإسلامية حين يُحتفي بالكفار ويُقدّر الفُجَّار ويُستهانُ بالمسلمين ويُتهم الأخيار ، وكل ذلك خلافُ هدي الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلامِ ، وَإِذَا لقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُ إِلى أَضْيَقِهِ ) ) [3] .

وأخطرُ من ذلك مشاركتهم في أعيادهم وحضورُ احتفالاتهم وتهانيهم بمناسباتهم التي لم يُنْزل الله بها من سلطان، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: (( وَالذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) ) (الفرقان: من الآية72) .

قال مجاهدٌ والربيعُ بن أنسٍ والقاضي أبو يعلى والضحاك -في تفسيرها-: إنها أعيادُ المشركين [4] .

وعن أنس رضي الله عنه قال: (( قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم( المَدِينَةَ ) وَلهُمْ يَوْمَانِ يَلعَبُونَ فِيهِمَا ، فَقَال: مَا هَذَانِ اليَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلعَبُ فِيهِمَا فِي الجَاهِلِيَّةِ ، فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلكُمْ بِهِمَا خَيْراً مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ )) (رواه أبو داود وأحمد والنسائي على شرط مسلم ) [5]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله-: (( والمحذورُ في أعياد أهل الكتابين التي نقرّهم عليها أشدُّ من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حُذِّروا مشابهة اليهود والنصارى وأُخبروا أن سيفعلُ قومٌ منهم هذا المحذور بخلاف دين الجاهلية فإنه لا يعود إلاّ في آخر الدهر عند اخترامِ أنفسِ المؤمنين عموماً، ولو لم يكن أشدَّ منه فإنه مثلُه على ما لا يخفى، إذ الشرُّ الذي له فاعلٌ موجود يُخافُ على الناس منه أكثرُ من شرٍّ لا مُقتضى له قوي ) ) [6]

أما الفاروق عمرُ رضي الله عنه فقد قال: (( إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يومَ عيدهم في كنائسهم فإن السخطة تنْزل عليهم ) ) [7] .

وفي سبيل التشبه الظاهري بالكافرين تأكلُ وتشربُ فئامٌ من المسلمين بالشمال وكأن الأمر عادةٌ من العوائد ليس فيها ملام، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يُحذر من هذا ويقول: (( لا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ ) ) [8] .

وتُستبدل تحيةُ الإسلام ( السلامُ عليكم ) بأنواع من التحايا لا تبلغُ في كمالها ولا في حسنها مبلغَ تحيةِ أهلِ الإسلام هذا فضلاً عن أجر هذه، ووزر تلك إذا قُصد بها التشبهُ بالكافرين بل ويُنهى المسلمون عن مشابهة غير المسلمين في هيئة السلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت