الثانية: ما كنت في صلاةٍ قط فشَغَلْتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها .
الثالث: ما كنتُ في جنازةٍ قط فحدّثتُ نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى انصرف عنها عَقّب على هذه الخصال سعيدُ بن المسيب فقال:"هذه الخصال ما كنتُ أحسبُها إلا في نبي".
رحم الله سعد بن معاذ فلقد كان مؤمناً حقاً ، يعظّم نصوص الوحيين ، ولا يقدم على كلام الله وكلام رسوله قولَ أحدٍ ، فماذا فعل دعاة العقلانية ، بنصوص الشريعة الإسلامية تفرّقت أهواؤهم ، وضعف إيمانهم ولا يؤمن عبدٌ حق الإيمان حتى يكون هواه تبعاً لما جاء في الكتاب والسنة .
وسعد أيضاً خاشعٌ في صلاته ، ما كنتٌ في صلاةٍ قط ـ حتى النوافل ـ فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها .
الله أكبر (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ .الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) المؤمنون1-2
ولقد ذهب الخشوع وذهب معه أهله إلا من رحم الله كما جاء .
أن أول من يرفع من هذه الأمة الخشوع .
أيها المسلمون: وتأتي غزوة بدرٍ أول غزوة بين المسلمين والمشركين ويستشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس فيتكلم أبو بكر وعمر ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الأنصار .
وعندها قام سعد بن معاذ فقال:-
إيانا تريد ـ يا رسول الله ـ والله نفسي بيده لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه معك ولعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم ـ ولعلك ـ يا رسول الله ـ خرجتَ لأمر فأحدث الله غيره ، فأمض لما شئت ، وصل حيال ما شئت ، وأقطع حبال من شئت ، وسالم من شئت ، وأعطنا ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرتَ به من أمر فأمرنا تبع لأمرك لئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لسرنا معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا وإنا لصُبُر في الحرب صُدق عند اللقاء فلعلَ الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله .
فَسُرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول سعد ونَشّطه ثم قال: ( سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ) .
ويقول أبن الأثير ( 2/316 ) في ترجمة سعد بن معاذ: ومقاماته في الإسلام مشهودة كبيرة ولو لم يكن له إلا يوم بدر .. وكفى فخراً دع ما سواه ... )
وشهد سعد بن معاذ ـ t ـ غزوة أحد فأبلى بلاءً حسناً واستمر إيمانه في ازدياد ـ وهكذا المؤمن ـ كلُ يوم يزداد خيراً فجاءت غزوة الخندق"الأحزاب"حيث اجتمعت قريش وغطفان وقبائل أخرى مع يهود المدينة ومنافقيها ضدّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين لكن الله فرّق جموعهم وأبطل كيدهم وقذف في قلوبهم الرعب وأرسل عليهم ريحاً شديدة (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) الأحزاب25وخرج سعد بن معاذ مع رسول الله ـe ـ وعليه درعٌ مقلّصه قد خرجت منه ذراعه كلها وفي يده حربة وهو يرتجز قائلاً:
"بِّثْ قليلاً يشهد الهيجا حَمَلْ لا بأس بالموتِ إذا حان الأجَلْ"
يعني حَمَلَ بن بدر وهناك رماه كافر يقال له ابن العَرِقَة بسهم فقطع منه الأكحل وهو عرق في الذراع فلما أصابه قال: خذها مني وأنا أبن العَرِقَة فقال: سعد: عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيتَ من حرب قريش شيئاً فأبقني لها ، فإنه لا قومَ أحبَّ إليَّ أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة"فعاش بعد ذلك شهراً ثم انتقض فمات منه رمي سعد وتفجّر الدم من وريده كوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرحه فتوقف الدم ."
يحمل السيد الكبير سعد بن معاذ إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينصب له فيه خيمة ليتم علاجه وليزوره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قرب ، ويرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من غزوة الأحزاب ويصنعون السلاح ويأتي جبريل قائلاً: يا رسول الله أوضعتَ السلاح والله ما وضعت الملائكة السلاح انطلق إلى بني قريظة فإني مزلزلٌ بهم ويخرج المسلمون مع نبيهم إلى يهود الخيانة والغدر ، الذين نقضوا العهود ومزقوا ما بينهم وبين رسول الهدى من اتفاقيات فشفع فيهم الأوس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا ترضون أن يحكم فيكم رجلٌ منكم قالوا: بلى فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( ذاك إلى سعد بن معاذ ) فأرسل إليه فحُمِلَ على حمار فجاؤوا به فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوموا إلى سيدكم فأنزلوه فقال له: أحكم فيهم
فقال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأن تقسم أموالهم ، فطق سَعدٌ فوفِّق ، وحكم فلم تأخذه في الله لومة لائم فبنو قريظة وإن كان مواليه إِلاَّ أنهم نقضوا العهد وتحالفوا مع المشركين ضد المسلمين ولهذا لما حكم سعد بهذا الحكم صُدّق من الملاء الأعلى وبتوقيعٍ من المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:
"لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"ثم نُفّذ الحكم فحفر لهم في الأرض وكانوا أربعَ مئة فضربت أعناق خونة يهود فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين .
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونؤمنُ به ونتوكل عليه ، له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً .. وبعد .
فحين حكم سعد في يهود بني قريظة واستجاب الله دعائه لّما قال:
"اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة"ورجع إلى خيمته وما هي إلا ليالٍ معدودة وهذا السيد البطل ينتظر الشهادة بسبب جرحه الذي في يده وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده فقال له:"جزاك الله خيراً من سيّد قوم فلقد انجزت ما وعدته ولينجزنك الله ما وعدك" ( رجاله ثقات السير 1/288 ) .
تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ فحضره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر قالت: فو الذي نفسُ محمدٍ بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي وكانوا كما قال الله (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) الفتح29مات سعد بن معاد وعمره سبعٌ وثلاثون سنةَ فقط وساد قومه واهتز عرش الرحمن ـ جل وعز ـ لموته وهذا هو الإعلان الأول أن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري ومسلم لقد أهتز عرش الله عز وجل لموت سعد بن معاذ قال الذهبي ( وقد تواتر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العرشَ اهتزَّ لموت سعدٍ فرحاً به"وما أهتزَّ عرش الله من موتِ هالكٍ سمعنا به إلا لسعدٍ أبي عمرو لقد جَعَلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأس سعدٍ في حجره وقال: اللهم إن سعداً قد جاهد في سبيلك وصدّق رسولك وقضى الذي عليه فاقبل روحه بخير ما تقبلت به الأرواح ."