فهرس الكتاب

الصفحة 8334 من 9994

فليحذر المسلم من هذا أشد الحذر وليوصي أهله بعدم النياحة، وهي رفع الصوت بالصياح وشق الجيوب ولطم الخدود، والدعاء بدعوى الجاهلية من تعديد محاسن الميت.

هذه بعض الأسباب التي ورد بها الوعيد الشديد على لسان الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم، ذكرناها لكثرة وقوعها بين الناس، ولكن اعلموا: أن كل معصية مات عليها العبد ولم يتب منها فهو معرض لعذاب القبر نعوذ بالله من ذلك.

فمن علم هذا حق العلم وأيقن به حق اليقين فحري به أن يعمل كل ما بوسعه لتجنب عذاب القبر وفتنته، وعليه أن يديم الاستعاذة من عذاب القبر وفتنته، كما كان يستعيذ منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكما أمرنا بذلك فقال:"تعوذوا بالله من عذاب القبر".

وما أكثر ما كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر وفتنة القبر، كما في دعائه صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من فتنة القبر، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر".

ولنصحه ورحمته وشفقته بنا صلى الله عليه وسلم، فقد أمرنا بالاستعاذة من عذاب القبر دبر كل صلاة فقال:"إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال"، فنسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يعيذنا من عذاب القبر وفتنته، وأن يجعلنا من المنعمين فيه.

فاتقوا الله تعالى، وإياكم والاغترار بالأماني والآمال، فإنكم على وشك النقلة والارتحال.

أين من جمع الأموال ونماها، وافتخر على أقرانه وتمتع بلذاته؟! أما ترون القبر قد حواه؟ والتراب قد أكله وأبلاه، ولم يبق له إلا ما قدمت يداه.

أين السابقون من الأمم؟ هل خُلدوا في هذه الدنيا؟ هل أخذوا معهم شيئا إلى قبورهم؟

هذه آثارهم تدل عليهم، ومنازلهم تخبر عنهم، خلفوا الأهل والأموال ورافقهم إلى قبورهم ما كسبوا من الأعمال، أما لنا في ذلك معتبر؟!!

سألت الدار تخبرني عن الأحباب ما فعلوا

فقالت لي أناخ القوم أياما وقد رحلوا

فقلت فأين أطلبهم وأي منازل نزلوا

فقالت بالقبور وقد لَقُوا واللهِ ما فعلوا

إننا سنقدم على هول عظيم وخطب جسيم ولا ندري ما خبئ لنا، فهل أعددنا لذلك الأمر عدته؟

قال أبو أمامه الباهلي رضي الله عنه وقد وقف على جنازة:"إنكم أصبحتم وأمسيتم في منزل تغتنمون منه من الحسنات والسيئات، توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو القبر، بيت الوحشة وبيت الظلمة وبيت الضيق، إلا ما وسَّع الله ثم تنتقلون منه إلى يوم القيامة".

ولقد أضج ذكر القبور وأهوالها مضاجع الصالحين، فعظم اتعاظهم برؤيتها، وكبر خوفهم من مآل الحال فيها..

قال ميمون من مهران:"خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة، فلما نظر إلى القبور بكى ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا أيوب: هذه قبور آبائي بني أمية، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم، أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات، واستحكم فيهم البلاء، وأصابت الهوام في أبدانهم مقيلا، ثم بكى حتى غُشِيَ عليه".

ومر علي رضي الله عنه بالقبور فقال:"السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقترة، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم عما قليل لاحقون، يا أهل القبور: أما الأموال فقد قُسِمَتْ، وأما الأزواج فقد نُكِحَتْ، وأما البيوت فقد سُكِنَتْ، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟"

ثم التفت إلى أصحابه، وقال:"أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا أن خير الزاد التقوى".

فاعتبر يا عبد الله بمن حولك ممن رحلوا عن هذه الدنيا، يوشك الموت الذي تعداك إليهم، أن يتعدى غيرك إليك، فتصبح عن هذه الدنيا راحلاً، ولما عملت يداك ملاق.

يوشك أن يحل بك الموت، فيتتابع أنينك، ويتحير لسانك، ويبكي حولك الأهل والأولاد والإخوان، وأنت في واد وهُم في واد آخر، قد شخص بصرك، وغرقت عيونك بالدموع تتمنى الرجوع ولا سبيل إليه.

وما هي إلا لحظات فإذا بالموت وقد حل بك، وانتزعت روحك، وأخذت إلى المغسل، وحملت على النعش إلى قبرك، فاستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك، فيالها من رحلة عصيبة وسفر بعيد.

إنك والله لو رأيت الميت في قبره بعد ثلاث لاستوحشت منه بعد طول الأنس به، ولرأيت بيتا تجول به الهوام، ويجري منه الصديد، وتخترقه الديدان، مع تغير الريح وتقطع الأكفان، وذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب.

شيع عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ جنازة فوعظ أصحابه فقال:"إذا مررت بأهل القبور فنادهم إن كنت مناديا، وادعهم إن كنت داعيا، وانظر إلى تقارب منازلهم، سل غنيهم مابقي من غناه، وسل فقيرهم ما بقي من فقره؟، واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا بها للملذات ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان؟!."

وعفرت الوجوه ومحيت المحاسن ومزقت الأشلاء.

أين حجابهم وقصورهم؟ وأين خدمهم وكنوزهم؟ كأنهم ما وطئوا فراشا ولا غرسوا شجرا.

أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟، وقد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة.

كم من ناعم وناعمة، أضحوا وجوههم بالية، وأجسادهم عن أعناقهم منفصلة، وأوصالهم ممزقة، دبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم، ثم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى عادت العظام رميماً، وصاروا بعد السعة إلى الضيق.

فيا ساكن القبر غداً، مالذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الواسعة ورقاق ثيابك، وطيب بخورك؟ أما رأيته قد زل به الأمر فما يدفع عن نفسه شيئا.

فيا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله، يا مكفن الميت ويا مدخله القبر وراجعا عنه، بأي خديك بدأ البلى؟ ويا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت"."

فاعتبروا عباد الله بأحوال من سبقكم ممن حولكم، وليتأمل المرء حال من مضى من إخوانه وأقرانه الذين بلغوا الآمال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحى التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل بعدهم نساؤهم، وشمل اليتم أولادهم.

وليتذكر العبد حرصهم على نيل المطالب، وركونهم إلى الصحة والشباب، وغفلة بعضهم عما بين يديه من الأمر الفظيع والهلاك السريع وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم.

ومن أكثر في هذا التذكر والاعتبار، أقبل على أعمال الآخرة وطاعة ربه، ولانت جوارحه، وخشع قلبه.

فاستعدوا عباد الله لذلك اليوم بالطاعة، والمسارعة إلى الخيرات، والاعتبار بأحوال من مضى، وبذكر الموت فإنه يزهد فيما لا ينفع، قال صلى الله عليه وسلم:"أكثروا من ذكر هادم اللذات".

وعلى العبد أن يخرج من مظالم الناس، فإياك أن يبغتك الأجل وقد أخذت حقوق الناس، فالموت لا يمهل، والأجل لا يستبطىء، {لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} .

وعليكم باتباع هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم في تحري الأسباب المجنبة لعذاب القبر، ودوام الاستعاذة من عذابه وفتنته، فإن ذلك أمر حري بالعبد أن يستعد له وأن يعد له عدته.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر وفتنته.

اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتوفنا وأنت راض عنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لابليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت