فهرس الكتاب

الصفحة 8335 من 9994

وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد..

فإن الحق والباطل لا زالا في صراع منذ خلقت الدنيا وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يزال الله عز وجل يبتلي أهل الحق بأهل الباطل لحكمته البالغة، ليميز أهل الإيمان من أهل الضلالة والبهتان، قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} .

وبين ذلك يختص الله ـ سبحانه وتعالى ـ قوما يقومون بنصرة دينه، وإعلاء كلمته، محتسبين الأجر ومتجرعين مرارة الصبر لينالوا حلاوة العاقبة.

وإن من أعظم الابتلاء الذي يقع في البشرية، امتحان الناس في عقيدتهم، والتلبيس عليهم في أمر دينهم، وإرغامهم على مخالفة سنة خير الورى، والتحيز للعقائد الباطلة والآراء المضلة.

وإن مما يزيد الأمر شدة إذا كان لأهل البدعة سلطان على أهل السنة، فإنهم حين ذلك لا يألون جهداً في سبيل إيذائهم بكل طريقة ووسيلة، مصداقا لقول الله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} ، وذلك أن أهل الضلالة إذا كان لهم سلطان وقوة، فإنهم لا يراعون لأهل السنة قرابة ولا عهد، فيتناسون ذلك في سبيل إعلاء بدعتهم والانتصار لها.

هذا وإن حدوث ذلك في الزمان كثير، فلا يكاد يخلو منه زمن، وكلما قام رجل ينصر سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو الناس إليها، كلما تصدى له من أهل البدع من يؤذيه وينفر الناس عنه.

وقد حدث لأهل السنة في أوائل التاريخ الإسلامي بلاء ومحنة، ثبَّت الله سبحانه بها من شاء من عباده، فنصر به السنة، وأقام به الملة، وأظهر به الحق.

وذلك أن المأمون ـ الخليفة العباسي ـ كان متأثرا بكتب الفلاسفة حتى ترجم منها الكثير، وقد تلوث فكره بما تتقيؤه هذه الكتب من العقائد المنحرفة، وكان يريد أن يظهر القول: بأن القرآن مخلوق، [والذي عليه المسلمون أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن اعتقد غير ذلك فإنه كافر، وذلك لأن الهدف من هذا القول الباطل نفي صفات الله عز وجل ونفي صفة الكلام لله ـ عز وجل ـ، والله سبحانه يوصف بأنه يتكلم كلاما يليق بجلاله] .

وكان مما يمنع المأمون من إظهار هذا القول وحمل الناس عليه مهابته للإمام يزيد بن هارون مخافة أن ينكر عليه فتحدث الفتنة، فكان يقول:"لولا مكانة يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق".

فلما كان عام مائتين وأربعة عشر للهجرة، حمل المأمون الناس على الفتنة، وأظهر ذلك القول الباطل، وامتحن به أهل العلم، فمنهم من خاف السيف وتأول بين يدي المأمون ظاهرا مكرهاً، ومنهم من ثبت على الحق ظاهرا وباطنا ولم يُجب الخليفة إلى ما دعا إليه.

وكان ممن رد هذه المقالة الإمام أحمد بن حنبل ـ إمام أهل السنة والجماعة ـ ومحمد بن نوح، فحُبسا وقُيِّدا، وكتب المأمون إلى عامله إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضارهما إليه على الثغر بطرطوس، فحملا متعادلين.

فلما نزلا الرحبة جاء رجل فقال: أيكما أحمد بن حنبل؟ فقيل: هذا، فسلم ثم قال: يا هذا.. ما عليك أن تقتل ها هنا وتدخل الجنة ها هنا، ثم سلم وانصرف، فقال أحمد: من هذا؟ قيل: رجل من العرب ـ من ربيعة ـ يعمل الشعر في البادية يقال له: جابر بن عامر.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ما رأيت أحدا على حداثة سنه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير.

قال لي ذات مرة وأنا جالس معه: يا أبا عبد الله: اللهَ اللهَ، إنك لست مثلي ولست مثلك، وإنِ الله ابتلاني فأجبتُ، فلا يقاس بي، فإنك لست مثلي ولست مثلك، أنك رجل يقتدى بك، وقد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله، فتعجبت من تقويته وموعظته إياي، قال أحمد: وانظر بما ختم له.

ولما كانوا ببعض الطريق جاءهم أعرابي، يقول الإمام أحمد عنه: ما سمعت كلمة كانت أوقع في قلبي من كلمة سمعتها من أعرابي في رحبة طوق، قال لي: يا أحمد: إن قتلك الحق مت شهيدا، وإن عشت عشت حميدا.

قال أبو حاتم: فكان كما قال، لقد رفع الله شأن أحمد بعدما امتحن وعظم عند الناس، وارتفع أمره جدا.

قال أحمد: لما خرجنا جعلت أفكر فيما نحن فيه، حتى إذا صرنا إلى الرحبة أُنزلنا خارجا من البيوت مما يلي البرِّيّة، فعامة من كان معنا ناموا فجعلت أفكر في تلك البرية، وماذا أقول إذا صرت إلى ذلك، فأنا على تلك الحال إذ مددت بصري فإذا بشيء لم أستبنه، فلم يزل يدنو حتى استبان، فإذا بأعرابي عليه ثياب الأعراب، قد دنا وجعل يتخطى حتى صار إليّ، فوقف علي ثم سلم، ثم قال: أنت أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم، فقال: أبشر واصبر فإنما هي ضربة هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا، يا أحمد: تحب الله، قلت: نعم، قال: فإنك إن أحببت الله أحببت لقاءه.

قال أحمد: فلما ضربت بالسياط جعلت أذكر كلام الأعرابي.

قال أبو جعفر الأنباري: لما حمل أحمد بن حنبل إلى المأمون اجتزت فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر تعنيت. قلت: ليس في هذا عناء، فقلت له: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك. فوالله لئن أجبت إلى القول بخلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا إن الرجل إنْ لم يقتلك فأنت تموت ولا بد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء، فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله، ما شاء الله.

يا أبا جعفر: أعد علي ما قلت، فأعدت عليه فقال: ما شاء الله، ما شاء الله.

فحمل أحمد ومحمد بن نوح إلى المأمون في طرطوس وكان مقيد، وكان يصلي في قيده.

فلما وصلا إلى المأمون أجلس في خيمه، قال أحمد: وقد كنت أدعو الله ألا يريني وجهه، وذلك أنه بلغني أنه يقول: لئن وقعت عيني عليه لأقطعنه إربا إربا.

فخرج خادم وهو يمسح دموعه عن وجهه بكمه وهو يقول: عز علي يا أبا عبد الله أنْ جرد أمير المؤمنين سيفاً لم يجرده قط، وبسط نطعا لم يبسطه قط وقال: لا دفعت عن أحمد وصاحبه حتى يقولا: القرآن مخلوق.

فبرك أحمد على ركبتيه ولحظ إلى السماء بعينه ثم قال: سيدي غر هذا الفاجر حلمك، حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكنْ القرآنُ كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته، فما مضى الثلث الأول من الليل إلا وقد جاء الصريخ: لقد مات أمير المؤمنين، وذلك في عام مائتين وثمانية عشر.

ثم تولى بعده المعتصم، وقد اتخذ المعتصم له مستشارا مبتدعا يسمى أحمد بن أبي دؤاد، فسمم أفكاره، ولم يزل بتحريضه على أهل السنة، وكم هو مهلكٌ أن يتخذ الوالي وزيرا مبتدعا يفسد دينه ودنياه.

وحمل بعد ذلك أحمد ومحمد بن نوح إلى بغداد بمشورة ابن أبي داؤد على المعتصم، فلما بلغا بعض الطريق توفي محمد بن نوح رحمه الله.

قال أحمد:"تعجبت من تقويته وموعظته إياي، وانظر بما ختم له به"، فلم يزل كذلك حتى مرض في بعض الطريق ثم مات، فصليت عليه ودفنته.

فبقي أحمد رحمه الله وحيدا في مواجهة الابتلاء والفتنة، قال بشر بن الحارث:"محنةُ أحمد في وحدته وغربتُه في وقته، مثل محنة أبي بكر الصديق في وحدته وغربته في وقته".

واستمرت محنة الإمام أحمد في وقت المعتصم..

قال أبو معمر: كنا أحضرنا في دار السلطان أيام المحنة، وكان أبو عبد الله قد أحضر، والناس يجيبون، وكان أبو عبد الله رجلا ليناً، فلما رأى الناس يجيبون انتفخت أوداجه واحمرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي معه، وعلمت أنه غضب غضبا لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت