لقد جعل الله تعالى في خطبة كلٍّ من عمر وأبي بكر خيرًا ومصلحة للمسلمين، فإنَّه حين بلغ الناسَ نبأُ وفاة رسول الله جاء أهل النفاق، وأظهروا الفرح والشقاق، ومدُّوا الأعناق، فقطعها الله بخطبة عمر، وأرغم بها أنوفهم وكسر جاههم. وأمَّا المسلمون فماجت قلوبهم لهذه النازلة كموج البحر عند هبوب الرياح، وعُقرت لها أقدام الأبطال، واهتزَّت لها نفوس الرجال، وهم في الرجال كالجبال، فثبَّت الله قلوبهم بخطبة أبي بكر وشدَّ بها ظهورهم.
وأقبلت فاطمة تقول: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه جنَّة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه من ربِّه ما أدناه. وعاشت بعده ستَّة أشهر ثمَّ لحقته، فما ضحكت في تلك المدَّة، وحقَّ لها ذلك.
أيُّها الناس، كلُّ المصائب تهون عند هذه المصيبة، قال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، ويقول: يا عبد الله، ثق في الله، فإنَّ في رسول الله أسوةً حسنة.
اصبر لكلِّ مصيبة وتجلَّد…واعلم أنَّ المرء غير مخلَّد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها…فاذكر مُصابك بالنبيِّ محمَّد
قال أنس بن مالك: إنَّ أمَّ أيمن لمَّا قبض رسول الله بكت فقيل لها: ما يبكيك على النبيِّ ؟ قالت: إنِّي قد علمت أنَّ رسول الله سيموت، ولكنِّي أبكي على الوحي الذي رفع عنَّا. قال أنس: وقال أبو بكر لعمر: انطلق بنا إلى أمِّ أيمن نزورها، فلمَّا انتهيا إليها بكت، فقالا: ما يبكيك؟ ما عند الله خيرٌ لرسوله! قالت: والله، ما أبكي أن لا أكون أعلم أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله، ولكن أبكي أنَّ الوحي انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان. رواه مسلم.
أيُّها الناس، حُقَّ للقلوب أن تتألَّم لفراق رسول الله ، كيف لا وهذه الجمادات كانت تتصدَّع من ألم فراقه؟!
ألم تروا إلى الجذع الذي كان يخطب عليه رسول الله لمَّا تركه وتحوَّل إلى المنبر حنَّ إليه وصاح كما يصيح الصبي والناس يسمعون صوته، فنزل رسول الله إليه فاعتنقه فجعل يُهدَّى كما يهدَّى الصبي الذي يسكَّن، فقال النبيُّ: (( لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة ) )رواه أحمد بسند صحيح.
كان الحسن البصري إذا حدَّث بهذا الحديث يبكي ويقول: هذه خشبة تحنُّ إلى رسول الله ، فأنتم أحقُّ أنت تشتاقوا إليه.
وروي أنَّ بلالاً كان يؤذِّن بعد وفاة النبيِّ قبل دفنه، فإذا قال: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله ارتجَّ المسجد بالبكاء والنحيب، فلمَّا دفن ترك بلال الأذان.
قال أنس: لمَّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلمَّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا عن رسول الله وإنَّا لفي دفنه حتَّى أنكرنا قلوبنا.
ولمَّا فرغوا من دفنه قالت فاطمة: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ؟!
عباد الله، إنَّ استذكارنا لهذه الذكرى ليس لمجرَّد سكب العبرات، فلا جرم أن لا تخطئ الدموع مجاريها، ولكنَّ المقصود باستذكارها أن تكون حافزًا لتجديد العهد بمتابعة النبيِّ والاعتصام بسنَّته، ولملء ما يعتري قلوبنا من فراغ من محبَّته وتوقيره وتعزيره، والله المستعان.
الخطبة الأولى
أما بعد...
فاتقوا الله عباد الله . واعتصموا بحبله المتين وكتابه المبين فإن الله أنزل عليكم الكتاب العظيم لتتدبروا آياته وتعتبروا بقصصه فإنه كتاب عظيم فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم: ?لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ? (1) .
أيها المؤمنون إن الله تعالى قص عليكم في كتابه العظيم قصصاً كثيرة فيها عبر وعظات وكان من أعظم ما قصه الله علينا نبأ موسى وفرعون فهي أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن ثناها الله أكثر من غيرها وذكرها في سور عديدة لينتفع منها أولو الألباب . عباد الله أيها المؤمنون إن مجمل ما ذكره الله في كتابه من نبأ موسى وفرعون: أن فرعون ملك مصر علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم هم بنو إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، علا عليهم فرعون وتسلط يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم فكان من أعظم المفسدين في الأرض والله لا يصلح عمل المفسدين فأخرج من هؤلاء المستضعفين من يبين لفرعون سوء عمله وضلال سعيه فبعث الله موسى عليه السلام فأوحى إليه وكلمه وناداه أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأمدّه سبحانه بالآيات والسلطان المبين وشدّ عضد موسى بأخيه هارون فجعله نبياً من الصالحين ثم أرسله جلّ شأنه إلى فرعون ليدعوه إلى رب العالمين فقال فرعون مستكبراً معانداً: وما رب العالمين فأجابه موسى: ?رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ? (2) فقال فرعون عدو رب العالمين لقومه: ?ألا تسمعون? فرد عليه موسى معرفاً له بالله رب العالمين: ?رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ? (3) فقال فرعون:?قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ? (4) فأجابه موسى: ?قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ? (5) و ?الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى? (6) و ?الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى? (7) .
فلما انقطعت حجة فرعون وبان له من هو رب العالمين هدد موسى عليه السلام فقال: ?لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ? (8) فقال له موسى ليقطع حجته ويقيم البرهان على صدق ما يقول: ?قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ? (9) فأراه من الآيات ما فيه بلاء مبين فلما جاءتهم آيات رب العالمين قالوا: ?هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّا? (10) ?وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ? (11)