فهرس الكتاب

الصفحة 8802 من 9994

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين .

وأرضي اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102 [. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) )] النساء:1 [. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) )] الأحزاب:70-71[.

أمَّا بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعدُ ، أيَّها المسلمون:

فإنَّ من علاماتِ ضعفِ الإيمان, وضعف اليقين باليوم الآخر, حبَ الدنيا, وإيثارَها على الآخرة, والتعلقَ بالشبهِ الواهيةِ في تحصيلِ المالِ بأي وجهٍ كان, ولقد تعددت في زماننا هذا, أبوابُ الكسبِ الحرام، التي وقع فيها الكثيرون، فأهلكوا بذلك أنفسهم وأهليهم، وكلُّ جسدٍ نبت من سُحتٍ فالنار أولى به, ووقعَ آخرون في الشبهات, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرامِ كالراعي يرعى حولَ الحمى, يُوشكُ أن يرتعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإنّ حمى اللهِ محارمه, ومن المصادرِ الخبيثةِ المحرمةِ لكسبِ المالِ وجمعه، السرقةُ من بيتِ مال المسلمين بدعوى أنَّ لهُ فيه حقاً، أو أنّ ما يتعاطاهُ لا يكفيه، أو أنّ الحكومةَ قويةٌ وهو ضعيف، أو غيرَ ذلكَ من الدعاوى التي لا تُغنيهِ عند اللهِ فتيلاً، وتبدأُ هذه الجريمة- أعنى السرقة- من بيتِ مالِ المسلمين, بسرقةِ قلمٍ أو ورقةٍ أو محبرةٍ، وتنتهي بسرقةِ ملايينَ الريالات بشتَّى الحيلِ وطرقِ التزوير، مما ينطلي على البشر, وينكشفُ لربِّ البشر، عالمُ الغيبِ والشهادة، الذي لا تخفى عليه خافية، وهو العزيزُ الحكيم، ولا يدري ذلك السارقُ المسكينُ أنّ خصمهُ في هذا ليس وليُّ الأمرِ وحدهُ بل المسلمون جميعاً، فقد سرقَ من مالهم, بل إنّ خصمهُ هو اللهُ الواحدُ القهار, المنتقمُ العزيزُ الجبار، الذي يقولُ: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) )ويقولُ سُبحانهُ: (( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).

والغلولُ: هو الأخذُ من بيتِ المالِ بطريقٍ غيرِ مشروع، كالتزويرِ والكذبِ والاحتيال، أو استغلالِ النفوذ والجاه, فمن فعلَ ذلك فهو غالٌّ سارقٌ آكلٌ للحرام - والعياذُ بالله- حاكماً كان أو محكوماً، رئيساً كان أو مرؤوساً، أخرج الإمامُ مسلمُ في صحيحة من حديث أبي هريرة-t- قال قام فينا رسولُ الله r ذات يومٍ فذكر الغلول فعظَّمهُ, وعظمَ أمره، ثُمَّ قال: (( لا ألفين أحدكم يجيءُ يوم القيامةِ على رقبته بعيرٍ لهُ رغاء، يقولُ: يا رسول الله أغثني، فأقولُ: لا أملكُ لك شيئاً قد أبلغتك, لا ألفين أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حمحمة فيقولُ: يا رسولَ الله أغثني فأقولُ: لا أملكُ لك شيئاً قد أبلغتك, لا ألفين أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته شاةُ لها ثُغاء يقولُ: يا رسول الله أغثني، فأقولُ: لا أملكُ لك شيئاً قد أ بلغتك, لا ألفين أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته نفسٌ لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً قد أبلغتك, لا ألفين أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته رقاع تخنقه، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقولُ: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك, لا ألفين أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته صامت- أي ذهبٌ وفضة- فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقولُ: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك هذا ) ) ( 1) حديثٌ عظيمٌ مخيف، يُزلزلُ القلوبَ الحيةِ ويهزُها هزاً، فمن سرقَ شاةً أو بعيراً، أو سيارةً أو متاعاً، أو سَرقَ مالاً, جاءَ يَحمِلهُ يومَ القيامةِ على رقبتهِ، مفضوحاً بين العباد، إلاَّ أن يتوبَ إلى الله تعالى، ويرُدَّ ما سرقهُ إلى بيتِ المال، وحتى المجاهدُ في سبيلِ الله الذي قد يكونُ نصيبهُ من الغنيمةِ كبيراً، لو انتظر القسمة، فإنَّه لو اختلس مخيطاً-إي إبرةً- لكانت عليه ندامةً يوم القيامة يقول r: (( أدُّوا الخيط والمخيط، وإيَّاكم والغلول، فإنَّهُ عارٌ على أهلهِ يوم القيامة ) ) (2) ، وهذا مجاهدٌ قُتلَ في سبيلِ الله، فقال الصحابةُ - رضي الله عنهم- هنيئاً لهُ بالشهادةِ يا رسول الله , قال: (( كلاَّ والذي نفسي بيده إنّ الشملةَ, لتلتهبُ عليه ناراً, أخذها يوم خيبر من الغنائم، لم تُصبها المقاسم قال: فَفَزِعَ الناسِ فجاءَ رجلٌ بشراكٍ أو شراكين، وقال: أخذتهما يوم خيبر فقال رسولُ الله r: شراكٌ أو شراكان في النار ) ) (3) متفق عليه.

رحماكَ يا إلهي!! هذا المجاهدُ في سبيلك، البائعُ نفسهُ لمرضاتك, تدفعهُ نفسُهُ الأمارةُ بسرقةِ شيءٍ زهيد، قد يكونُ مستحقاً لأعظم منهُ لو صبر حتى القسمة، ثُمَّ يلتهبُ عليه ما اختلسهُ ناراً تلظى, رحماكَ يا الله ! فكيف يكونُ حالُ العبادِ المقصرين في طاعتك، السادرين في غيِّهم وضلالهم ، السارقينَ لأعظم من ذلك أو أحقرَ منه، وهذا مجاهدٌ آخر اختلسَ من بيتِ المال, فانظروا إلى مصيرهِ ونهايته! عن عبد الله بن عمرو بن العاص- t قال: كان في بيتِ المالِ رجلٌ يُقالُ له: كركرة فمات، فقال النبي r: (( هو في النارِ، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلَّها ) ) (4) رواه البخاري ،

وعن خالد بن زيدٍ الجهني، أنّ رجلا قُتلَ في غزوةِ خيبر, فامتنعَ النبيُّ- عليه الصلاة والسلام- من الصلاةِ عليه وقال: (( إنّ صاحبكم قد غلَّ، قال: ففتشنا متاعهُ فوجدنا خرزاً من خرزِ اليهود, لا يساوي درهمين ) ) (5) .

سبحان الله, رسولُ الله r يمتنعُ عن الصلاةِ على رجلٍ مسلمٍ مُجاهد, اختلس من بيتِ المالِ ما يساوي درهمين, فكيف بمن يسرقون الألوفَ المؤلفةِ والملايين المكدسة، إنّ في ذلك لذكرى لمن كان لهُ قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، ويدخلُ في الغلو لِ كذلك، هدايا الموظفين، التي يهديها إليهم أولئك المتعهدون, من أصحاب المصانعِ والمؤسسات, باسم الدعايةِ, أو التكريم, أو الصداقة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت