فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 9994

في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 82)

مسألة إباحة تعدد الزوجات بذلك التحفظ الذي قرره الإسلام - يحسن أن تؤخذ بيسر ووضوح وحسم ; وأن تعرف الملابسات الحقيقية والواقعية التي تحيط بها . .

روى البخاري - بإسناده - أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم - وتحته عشر نسوة - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اختر منهن أربعا". .

وروى أبو داود - بإسناده - أن عميرة الأسدي قال:أسلمت وعندي ثماني نسوة , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"اختر منهن أربعا".

وقال الشافعي في مسنده:أخبرني من سمع ابن أبي الزياد يقول:أخبرني عبد المجيد عن ابن سهل بن عبد الرحمن , عن عوف بن الحارث , عن نوفل بن معاوية الديلمي , قال:أسلمت وعندي خمس نسوة , فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اختر أربعا أيتهن شئت وفارق الأخرى". .

فقد جاء الإسلام إذن , وتحت الرجال عشر نسوة أو أكثر أو أقل - بدون حد ولا قيد - فجاء ليقول للرجال:إن هناك حدا لا يتجاوزه المسلم - هو أربع - وإن هناك قيدا - هو إمكان العدل - وإلا فواحدة . .أو ما ملكت أيمانكم . .

جاء الإسلام لا ليطلق , ولكن ليحدد . ولا ليترك الأمر لهوى الرجل , ولكن ليقيد التعدد بالعدل . وإلا امتنعت الرخصة المعطاة !

ولكن لماذا أباح هذه الرخصة ?

إن الإسلام نظام للإنسان . نظام واقعي إيجابي . يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه , ويتوافق مع واقعه وضروراته , ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان , وشتى الأحوال .

إنه نظام واقعي إيجابي , يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه , ومن موقفه الذي هو عليه , ليرتفع به في المرتقى الصاعد , إلى القمة السامقة . في غير إنكار لفطرته أو تنكر ; وفي غير إغفال لواقعه أو إهمال ; وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف !

إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء ; ولا على التظرف المائع ; ولا على"المثالية"الفارغة ; ولا على الأمنيات الحالمة , التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته , ثم تتبخر في الهواء !

وهو نظام يرعى خلق الإنسان , ونظافة المجتمع , فلا يسمح بإنشاء واقع مادي , من شأنه انحلال الخلق , وتلويث المجتمع , تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع . بل يتوخى دائما أن ينشىء واقعا يساعد على صيانة الخلق , ونظافة المجتمع , مع أيسر جهد يبذله الفرد ويبذله المجتمع .

فإذا استصحبنا معنا هذه الخصائص الأساسية في النظام الإسلامي , ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات . . فماذا نرى ?

نرى . . أولا . . أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة - تاريخية وحاضرة - تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج , على عدد الرجال الصاحلين للزواج . . والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يعرف تاريخيا أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد . وهو يدور دائما في حدودها .

فكيف نعالج هذا الواقع , الذي يقع ويتكرر وقوعه , بنسب مختلفة . هذا الواقع الذي لا يجدي فيه الإنكار ?

نعالجه بهز الكتفين ? أو نتركه يعالج نفسه بنفسه ? حسب الظروف والمصادفات ?!

إن هز الكتفين لا يحل مشكلة ! كما أن ترك المجتمع يعالج هذا الواقع حسبما اتفق لا يقول به إنسان جاد , يحترم نفسه , ويحترم الجنس البشري !

ولا بد إذن من نظام , ولا بد إذن من إجراء . .

وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات:

1 -أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج . . ثم تبقى واحدة أو أكثر - حسب درجة الاختلال الواقعة - بدون زواج , تقضي حياتها - أو حياتهن - لا تعرف الرجال !

2 -أن يتزوج كل رجل صالح للزواج واحدة فقط زواجا شرعيا نظيفا . ثم يخادن أو يسافح واحدة أو أكثر , من هؤلاء اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال . فيعرفن الرجل خدينا أو خليلا في الحرام والظلام !

3 -أن يتزوج الرجال الصالحون - كلهم أو بعضهم - أكثر من واحدة . وأن تعرف المرأة الأخرى الرجل ,زوجة شريفة , في وضح النور لا خدينة وولا خليلة في الحرام والظلام !

الاحتمال الأول ضد الفطرة , وضد الطاقة , بالقياس إلى المرأة التي لا تعرف في حياتها الرجال . ولا يدفع هذه الحقيقة ما يتشدق به المتشدقون من استغناء المرأة عن الرجل بالعمل والكسب . فالمسألة أعمق بكثير مما يظنه هؤلاء السطحيون المتحذلقون المتظرفون الجهال عن فطرة الإنسان . وألف عمل , وألف كسب لا تغني المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية . . سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة , وماطالب الروح والعقل , من السكن والأنس بالعشير . . والرجل يجد العمل ويجد الكسب ; ولكن هذا لا يكفيه فيروح يسعى للحصول على العشيرة , والمرأة كالرجل - في هذا - فهما من نفس واحدة !

والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام النظيف ; وضد قاعدة المجتمع الإسلامي العفيف ; وضد كرامة المرأة الإنسانية . والذين لا يحفلون أن تشيع الفاحشة في المجتمع , هم أنفسهم الذين يتعالمون على الله , ويتطاولون على شريعته . لأنهم لا يجدون من يردعهم عن هذا التطاول . بل يجدون من الكائدين لهذا الدين كل تشجيع وتقدير !

والاحتمال الثالث هو الذي يختاره الإسلام . يختاره رخصة مقيدة . لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين ; ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء . يختاره متمشيا مع واقعيته الإيجابية , في مواجهة الإنسان كما هو - بفطرته وظروف حياته - ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر , ومع منهجه في التقاط الإنسان من السفح , والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة . ولكن في يسر ولين وواقعية !

ثم نرى . . ثانيا . . في المجتمعات الإنسانية . قديما وحديثا . وبالأمس واليوم والغد . إلى آخر الزمان . واقعا في حياة الناس , لا سبيل إلى إنكاره كذلك أو تجاهله .

نرى أن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها . بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها . فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة . وما من شك أن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما , امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال , وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار . فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال . ولكن مما يتفق مع هذا الواقع الفطري أن يسن التشريع - الموضوع لكافة البيئات في جميع الأزمان والأحوال - هذه الرخصة - لا على سبيل الإلزام الفردي , ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري , ويسمح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء . . وهو توافق بين واقع الفطرة وبين اتجاه التشريع ملحوظ دائما في التشريع الإلهي . لا يتوافر عادة في التشريعات البشرية , لأن الملاحظة البشرية القاصرة لا تنتبه له , ولا تدرك جميع الملابسات القريبة والبعيدة , ولا تنظر من جميع الزوايا , ولا تراعي جميع الاحتمالات .

ومن الحالات الواقعية - المرتبطة بالحقيقة السالفة - ما نراه أحيانا من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية , مع رغبة الزوجة عنها - لعائق من السن أو من المرض - مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال - فكيف نواجه مثل هذه الحالات ?

نواجهها بهز الكتفين ; وترك كل من الزوجين يخبط رأسه في الجدار ?! أو نواجهها بالحذلقة الفارغة والتظرف السخيف ?

إن هز الكتفين - كما قلنا - لا يحل مشكلة . والحذلقة والتظرف لا يتفقان مع جدية الحياة الإنسانية ,ومشكلاتها الحقيقية . .

وعندئذ نجد أنفسنا - مرة أخرى - أمام احتمال من ثلاثة احتمالات:

1 -أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان ! ونقول له:عيب يا رجل ! إن هذا لا يليق , ولا يتفق مع حق المرأة التي عندك ولا مع كرامتها !

2 -أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء !

-3 أن نبيح لهذا الرجل التعدد - وفق ضرورات الحال - ونتوقى طلاق الزوجة الأولى . .

الاحتمال الأول ضد الفطرة , وفوق الطاقة , وضد احتمال الرجل العصبي والنفسي . وثمرته القريبة - إذا نحن أكرهناه بحكم التشريع وقوة السلطان - هي كراهية الحياة الزوجية التي تكلفه هذا العنت , ومعاناة جحيم هذه الحياة . . وهذه ما يكرهه الإسلام , الذي يجعل من البيت سكنا , ومن الزوجة أنسا ولباسا .

والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام الخلقي , وضد منهجه في ترقية الحياة البشرية , ورفعها وتطهيرها وتزكيتها , كي تصبح لائقة بالإنسان الذي كرمه الله على الحيوان !

والاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية , ويلبي منهج الإسلام الخلقي , ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية , ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما , وييسر على الإنسان الخطو الصاعد في رفق ويسر وواقعية .

وشيء كهذا يقع في حالة عقم الزوجة , مع رغبة الزوج الفطرية في النسل . حيث يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما:

1 -أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل .

2 -أو أن يتزوج بأخرى , ويبقي على عشرته مع الزوجة الأولى .

وقد يهذر قوم من المتحذلقين - ومن المتحذلقات - بإيثار الطريق الأول . ولكن تسعا وتسعين زوجة - على الأقل - من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى من يشير على الزوج بهذا الطريق ! الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور - فقلما تجد العقيم وقد تبين عقمها راغبا في الزواج - وكثيرا ما تجد الزوجة العاقر أنسا واسترواحا في الأطفال الصغار , تجيء بهم الزوجة الأخرى من زوجها , فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة أيا كان ابتئاسها لحرمانها الخاص .

وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية بملابساتها العملية , التي لا تصغي للحذلقة , ولا تستجيب للهذر , ولا تستروح للهزل السخيف والتميع المنحل في مواضع الجد الصارم . . وجدنا مظاهر الحكمة العلوية , في سن هذه الرخصة , مقيدة بذلك القيد:

(فانكحوا ما طاب لكم من النساء - مثنى وثلاث ورباع - فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فالرخصة تلبي واقع الفطرة , وواقع الحياة ; وتحمي المجتمع من الجنوح - تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة - إلى الانحلال أو الملال . . والقيد يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال , ويحمي الزوجة من الجور والظلم ; ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل . ويضمن العدل الذي تحتمل معه الضرورة ومقتضياتها المريرة .

إن أحدا يدرك روح الإسلام واتجاهه , لا يقول:إن التعدد مطلوب لذاته , مستحب بلا مبرر من ضرورةفطرية أو اجتماعية ; وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني , وإلا التنقل بين الزوجات , كما يتنقل الخليل بين الخليلات . إنما هو ضرورة تواجه ضرورة , وحل يواجه مشكلة . وهو ليس متروكا للهوى , بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي , الذي يواجه كل واقعيات الحياة .

فإذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة . إذا راح رجال يتخذون من هذه الرخصة فرصة لإحالة الحياة الزوجية مسرحا للذة الحيوانية . إذا أمسوا يتنقلون بين الزوجات كما يتنقل الخليل بين الخليلات . إذا أنشأوا"الحريم"في هذه الصورة المريبة . . فليس ذلك شأن الإسلام ; وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام . . إن هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام , ولم يدركوا روحه النظيف الكريم . والسبب أنهم يعيشون في مجتمع لا يحكمه الإسلام , ولا تسيطر فيه شريعته . مجتمع لا تقوم عليه سلطة مسلمة , تدين للإسلام وشريعته ; وتأخذ الناس بتوجيهات الإسلام وقوانينه , وآدابه وتقاليده .

إن المجتمع المعادي للإسلام المتفلت من شريعته وقانونه , هو المسؤول الأول عن هذه الفوضى . هو المسؤول الأول عن"الحريم"في صورته الهابطة المريبة . هو المسؤول الأول عن اتخاذ الحياة الزوجية مسرح لذة بهيمية . فمن شاء أن يصلح هذه الحال فليرد الناس إلى الإسلام , وشريعة الإسلام , ومنهج الإسلام ; فيردهم إلى النظافة والطهارة والاستقامة والاعتدال . . من شاء الاصلاح فليرد الناس إلى الإسلام لا في هذه الجزئية ولكن في منهج الحياة كلها . فالإسلام نظام متكامل لا يعمل إلا وهو كامل شامل . .

والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة . أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس , فلا يطالب به أحد من بني الإنسان , لأنه خارج عن إرادة الإنسان . . وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في هذه السورة: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل , فتذروها كالمعلقة . . هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلا على تحريم التعدد . والأمر ليس كذلك . وشريعة الله ليست هازلة , حتى تشرع الأمر في آية , وتحرمه في آية , بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال ! فالعدل المطلوب في الآية الأولى ; والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق ; هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة , وسائر الأوضاع الظاهرة , بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شيء منها ; وبحيث لا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء منها . . على نحو ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أرفع إنسان عرفته البشرية , يقوم به . في الوقت الذي لم يكن أحد يجهل من حوله ولا من نسائه , أنه يحب عائشة - رضي الله عنها - ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة , لا تشاركها فيها غيرها . . فالقلوب ليست ملكا لأصحابها . إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . . وقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف دينه ويعرف قلبه . فكان يقول:"اللهم هذا قسمي فيما أملك , فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت