فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 9994

ونعود فنكرر قبل أن نتجاوز هذه النقطة , أن الإسلام لم ينشىء التعدد إنما حدده . ولم يأمر بالتعدد إنما رخص فيه وقيده . وأنه رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية , وضرورات الفطرة الإنسانية . هذه الضرورات وتلك الواقعيات التي ذكرنا بعض ما تكشف لنا حتى الآن منها . وقد يكون وراءها غيرها تظهره أطوار الحياة في أجيال أخرى , وفي ظروف أخرى كذلك . كما يقع في كل تشريع أو توجيه جاء به هذا المنهج الرباني , وقصر البشر في فترة من فترات التاريخ , عن استيعاب كل ما وراءه من حكمة ومصلحة .فالحكمة والمصلحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي , سواء أدركهما البشر أم لم يدركوهما , في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير , عن طريق الإدراك البشري المحدود !

ثم ننتقل إلى الإجراء الثاني الذي تنص عليه الآية عند الخوف من عدم تحقق العدل:

(فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة , أو ما ملكت أيمانكم) . .

أي إنه إن خيف عدم العدل في التزوج بأكثر من واحدة تعين الاقتصار على واحدة ! ولم يجز تجاوزها أو (ما ملكت أيمانكم) من الإماء زواجا أو تسريا , فالنص لم يحدد .

ولقد سبق أن وقفنا في الجزء الثاني من هذه الظلال وقفة قصيرة أمام مسألة الرق إجمالا . فلعله يحسن هنا أن نلم بمسألة الاستمتاع بالإماء خاصة .

إن الزواج من مملوكة فيه رد لاعتبارها وكرامتها الإنسانية . فهو مؤهل من مؤهلات التحرير لها ولنسلها من سيدها - حتى ولو لم يعتقها لحظة الزواج - فهي منذ اليوم الذي تلد فيه تسمى"أم ولد"ويمتنع على سيدها بيعها ; وتصبح حرة بعد وفاته . أما ولدها فهو حر منذ مولده .

وكذلك عند التسري بها . فإنها إذا ولدت أصبحت"أم ولد"وامتنع بيعها , وصارت حرة بعد وفاة سيدها . وصار ولدها منه كذلك حرا إذا اعترف بنسبه , وهذا ما كان يحدث عادة .

فالزواج والتسري كلاهما طريق من طرق التحرير التي شرعها الإسلام وهي كثيرة . . على أنه قد يحيك في النفس شيء من مسألة التسري هذه . فيحسن أن نتذكر أن قضية الرق كلها قضية ضرورة - كما بينا هناك - وأن الضروة التي اقتضت إباحة الاسترقاق في الحرب الشرعية التي يعلنها الإمام المسلم المنفذ لشريعة الله , هي ذاتها التي اقتضت إباحة التسري بالإماء ; لأن مصير المسلمات الحرائر العفيفات حين يؤسرن كان شرا من هذا المصير !

على أنه يحسن ألا ننسى أن هؤلاء الأسيرات المسترقات , لهن مطالب فطرية لا بد أن يحسب حسابها في حياتهن , ولا يمكن إغفالها في نظام واقعي يراعي فطرة الإنسان وواقعه . . فإما أن تتم تلبية هذه المطالب عن طريق الزواج , وإما أن تتم عن طريق تسري السيد , ما دام نظام الاسترقاق قائما , كي لا ينشرن في المجتمع حالة من الانحلال الخلقي , والفوضى الجنسية , لا ضابط لها , حين يلبين حاجتهن الفطرية عن طريق البغاء أو المخادنة , كما كانت الحال في الجاهلية .

أما ما وقع في بعض العصور من الاستكثار من الإماء - عن طريق الشراء والخطف والنخاسة وتجميعهن في القصور , واتخاذهن وسيلة للإلتذاذ الجنسي البهيمي , وتمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء , وعربدة السكر والرقص والغناء . . إلى آخر ما نقلته الينا الأخبار الصادقة والمبالغ فيها على السواء . . أما هذا كله فليس هو الإسلام . وليس من فعل الإسلام , ولا إيحاء الإسلام . ولا يجوز أن يحسب على النظام الإسلامي , ولا أن يضاف إلى واقعه التاريخي . .

إن الواقع التاريخي"الإسلامي"هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوراته وشرعته وموازينه . هذا وحده هو الواقع التاريخي"الإسلامي". . أما ما يقع في المجتمع الذي ينتسب إلى الإسلام , خارجا على أصوله وموازينه , فلا يجوز أن يحسب منه , لأنه انحراف عنه .

إن للإسلام وجوده المستقل خارج واقع المسلمين في أي جيل . فالمسلمون لم ينشئوا الإسلام , إنما الإسلام هو الذي أنشأ المسلمين . الإسلام هو الأصل , والمسلمون فرع عنه , ونتاج من نتاجه . ومن ثم فإن ما يصنعه الناس أو ما يفهمونه ليس هو الذي يحدد أصل النظام الإسلامي أو مفهوم الإسلام الأساسي . إلا أن يكون مطابقا للأصل الإسلامي الثابت المستقل عن واقع الناس ومفهومهم , والذي يقاس إليه واقع الناس في كل جيل ومفهومهم , ليعلم كم هو مطابق أو منحرف عن الإسلام .

إن الأمر ليس كذلك في النظم الأرضية التي تنشأ ابتداء من تصورات البشر , ومن المذاهب التي يضعونها لأنفسهم - وذلك حين يرتدون إلى الجاهلية ويكفرون بالله مهما ادعوا أنهم يؤمنون به , فمظهر الإيمان الأول بالله هو استمداد الأنظمة من منهجه وشريعته , ولا إيمان بغير هذه القاعدة الكبيرة - ذلك أن المفهومات المتغيرة للناس حينئذ , والأوضاع المتطورة في أنظمتهم , هي التي تحدد مفهوم المذاهب التي وضعوها لأنفسهم , وطبقوها على أنفسهم .

فأما في النظام الإسلامي الذي لم يصنعه الناس لأنفسهم , إنما صنعه للناس رب الناس وخالقهم ورازقهم ومالكهم . . فأما في هذا النظام فالناس إما أن يتبعوه ويقيموا أوضاعهم وفقه ; فواقعهم إذن هو الواقع التاريخي"الإسلامي"وإما أن ينحرفوا عنه أو يجانبوه كلية , فليس هذا واقعا تاريخيا للإسلام . إنما هو انحراف عن الإسلام !

ولا بد من الإنتباه إلى هذا الاعتبار عند النظر في التاريخ الإسلامي . فعلى هذا الاعتبار تقوم النظرية التاريخية الإسلامية , وهي تختلف تماما مع سائر النظريات التاريخية الأخرى , التي تعتبر واقع الجماعة الفعلي , هو التفسير العملي للنظرية أو المذهب , وتبحث عن"تطور"النظرية أو المذهب في هذا الواقع الفعلي للجماعة التي تعتنقه , وفي المفهومات المتغيرة لهذه النظرية في فكر الجماعة ! وتطبيق هذه النظرة على الإسلام ينافي طبيعته المتفردة , ويؤدي إلى أخطار كثيرة , في تحديد المفهوم الإسلامي الحقيقي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت