الحمدُ للهِ ربِّ العامين- والصلاةُ والسلام- على رسولِ اللهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم تسليماً كثيراً.
فإنَّ الزواجَ نعمةٌ من نعمِ الله، وإذا أحسنَ الإنسانُ به النيةَ فإنَّهُ يكونُ عبادةً يُؤجرُ عليها .
كما جاءَ في الحديثِ الذي رواهُ مسلم أنَّهُ- صلى الله عليه وسلم- قال: (( وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسولَ الله، أيأتي أحدُنا شهوتَهُ ويكونُ لهُ فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعَها في حرام، أكانَ عليهِ وزراً ؟ فكذلكَ إذا وضعَها في الحلالِ كانَ لهُ أجر ) ).
غيرَ أنَّ نعمةَ الزواجِ هذه قد أُحيطت وللأسفِ بمفاسدَ عظيمةً، وأساءَ الناسُ إليها إساءةً بالغة، فأُدخلت فيها المُنكراتُ والأخلاقُ والعاداتُ المستوردةِ من الغربِ، وأشباهَهَم، فمن ذلكَ أنَّ المرأةَ يُسنُ لها أن تتزينَ لزوجِها بالزينةِ المباحةِ وبالأخصِ ليلةَ الزفاف .
غيرَ أنَّ الناسَ بالغوا في هذهِ الزينةِ إلى أن ارتكبوا ما حرَّمَ اللهُ عليهم. فالمرأةُ ليلةَ زِفافِها يُذبُّ بها إلى محلِّ التزيينِ الذي يُسمى عندهم (الكوافير) حيثُ يجري تزيينَها بما فيهِ عُدوانٌ على فطرتِها ممَّا حرمهُ اللهُ عليها.
وهذهِ الأماكنُ يجبُ على المرأةِ المسلمةِ البعدَ عنها، لأمورٍ عديدة، من أهمِّها: أنَّ رسولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- تهددَ من وضعت ثيابها في غيرِ بيتِ زوجها، ففي الحديثِ الصحيحِ الذي رواهُ الإمامُ أحمد وغيره عن عائشةَ- رضي الله عنها- قالت قال رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: (( أيُّما امرأةٍ وضعت ثيابها في غيرِ بيتِ زوجها، فقد هتكت سترَ ما بينها وبينَ الله عز وجل ) ).
وأخرجَهُ أيضاً عن أمِّ سلمة- رضي الله عنها- قالت قالَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: (( أيُّما امرأةٍ نزعت ثيابها في غيرِ بيتها، خرقَ اللهُ عز وجل عنها ستره ) ).
وأماكنُ الزينةِ هذهِ إن كانَ يعملُ فيها رجالٌ فالمصيبةُ أعظمُ، والخطرُ فيها أشد.
ومع ذلكَ فهي أماكنُ يكثُرُ فيها الفساد، ولا أظنُّهُ يُخفى على أحدٍ ما يُحكى عنها. وليسَ بمستبعدٍ أن يوضعَ فيها جهازٌ لتصويرِ المرأةِ وهي عاريةً أو شبه عارية، وهي لا تشعرُ، بل قد فعلوا ما هُو أشدُّ من ذلك، وحتى لو كانَ المُباشِرُ للعروسِ امرأة، فإنَّهُ لا يجُوزُ لها أن تطَّلعَ منها على العورةِ المغلظة، لقولهِ- صلى الله عليه وسلم-: (( لا تباشر المرأة المرأة ) ).
كما أنَّ في الذهابِ إلى هذهِ الأماكنِ زيادةً في تكاليفِ الزواجِ ونفقاته، وإهداراً للمالِ الذي استخلفَ اللهُ عز وجل عليهِ ابنُ آدم، وسيُسألُ عنهُ يومَ القيامة، كلُّ هذا مع ما في هذهِ الزينةِ من أشياءٍ مُحرمةٍ سيأتي الكلامُ عنها بإذنِ الله تعالى
الحمدُ لله يهدي ويُضل، ويعزُّ ويُذل، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريك له، أنَّهُ هُو البرُّ الرحيم، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ النبي المصطفى الكريم- صلى الله عليه وسلم- وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن سارَ على دربهِ إلى يومِ الدين .
أمَّا بعدُ: فاتقوا الله أيُّها المسلمونَ حقَّ التقوى.
بعيداً عن جوِّ هذا الزمانِ القاتمِ بغبارِ الالتزامِ الأجوف، والمشوَّه بقترِ السلبيةِ المفرطةِ والمظهريةِ الجوفاء، نحلقُ في فضاءِ الجيلِ السالفِ، المعطرِ بورودِ الإيجابية، ونتفيؤ ظلالَ شجرةِ البذلِ والعطاءِ، والتضحيةِ والفداء.
نعودُ بذكرِياتنا إلى الصورِ الرائعةِ لماضينا المجيد، حيثُ يتجلى الإيمانُ الحقُّ، وتبرزُ حقيقةَ الهمِّ لهذا الدين، وتظهرُ الغيرةُ الحقيقيةُ على دينِ الله.
إنَّ الإيمانَ إذا خالفت بشاشتهُ القلوبُ استحكم الولاءُ لهُ، وكان العطاءُ للدين سخياً غاية السخاء، لأنَّهُ معاملةً مع كريم، وتلقٍ لمننٍ من إلهٍ عظيم.
وإذا كانت الحياةُ تقدمُ فداءً للدين، وثمناً لدينه، فهي كذلكَ تُسَخَّرُ لخدمةِ الدينِ وللعطاءِ له، إذ كلُّ ما فيها لله، وإذا هِي حياةٌ أُوقفت كلَّها لله.
هذا نوحٌ- عليه السلام- يُخاطبُ ربَّهُ: (( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ) ) (سورة نوح:5) ثم قال: (( ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ) ) (سورة نوح:9) ز
إنَّهُ الجهدُ الدائمُ الذي لا ينقطعُ ولا يملُّ، ولا يفترُ ولا ييأسُ أمامَ الإعراضِ ألفَ سنةٍ إلاَّ خمسينَ عاماً .
ماذا بقى من حياةِ نبيِّ اللهِ نوح، لم يُسخِّر لدعوتهِ، ولم يبذل لرسالتهِ الليلُ والنهار، الجهرُ والإسرار، كُلَّها للهِ حياةً أُوقفت كُلَّها لله .
ثُمَّ سرَّح طرفكَ في مسيرةِ أنبياءِ اللهِ ورسله، لتقفَ أمامَ نبيِّ اللهِ يُوسفُ السجينُ الغريب، الطريدُ الشريد، الذي يُعاني ألمَ الغُربةِ وقهرَ السجن، وشجا الفراقِ وعذابَ الظلم، في هذا كلهُ، وبين هذا كُلَّهُ في زنزانةِ السجنِ، يسألُهُ صاحبا السجنِ عن تعبيرِ الرؤيا، فلا يُدع نبيُّ اللهِ يوسف الفرصةَ تفلت، ولا تُنسيهِ مرارةُ المُعاناةِ القاسيةِ واجب العملِ للهِ، والعطاء لدينه، فإذا به يحولُ السجنَ إلى مدرسةٍ للدعوة، ويرى أن كونَهُ سجيناً لا يعفيهِ أبداً من تصحيحِ الأوضاعِ الفاسدةِ، والعقائدَ المنحرفة، فإذا به يُنادى في السجن: (( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ) (سورة يوسف:39) .
فاسمعوا يا معشرَ الأحرارِ الطُلقاء، وتمضي قافلةُ العظماءِ من الأنبياءِ، لتنتهي بسيدِهم وخيرِهم محمد- صلى الله عليه وسلم- والذي سُئلت عنهُ عائشةَ- رضي الله عنها-، أكانَ نبيُّ الله- صلى الله عليه وسلم- يُصلي جالساً قالت: نعم، بعدما حطَّمهُ الناس، وهو النبيُّ الذي قالَ الله عز وجل عنهُ: (( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) (سورة التوبة:128) .
ويقولُ: (( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ) ) (سورة الكهف:6) .
وإنَّ الإنسانَ ليأخذهُ الدهشُ والعجبُ، كما تغمرهُ الروعةُ والخشوعُ، وهو يستعرضُ ذلك الجهدُ الموصولِ من الرسلِ- عليهم صلوات الله وسلامه- لهدايةِ البشريةِ الضالةِ المُعانِدة .
جهودٌ موصولة، وتضحياتٌ نبيلةٌ لم تنقطع على مدارِ التأريخِ، من رُسلٍ يُستهزأُ بهم، ويُحرقُون بالنارِ، أو يُنشَرُون بالمنشار، أو يَهجُرون الأهلَ والديارَ حتى تجيءُ الرسالةُ الأخيرة، فيجهدُ فيها محمد- صلى الله عليه وسلم- ذلك الجهدُ المشهودُ المعروف، هو والمؤمنون معه، ثُمَّ تتوالى الجهودُ المضنيةُ، والتضحياتُ المذهلةُ، من القائمين على دعوتهِ في كلِّ أرضٍ وفي كلِّ جيل .
وهكذا تسيرُ ركابَ المؤمنين برسالاتِ الله، لا تدعُ فرصةً للعملِ للدينِ تفلت، ولا فرصةً للعطاءِ للدينِ تضيع، كلُّ عطاءٍ يُقدمُ مهما كان قليلاً، وكل جُهدٍ يُبذلُ ولو كان يسيراً .
هذا الرجلُ الكفيفُ الأعمى، عبد الله بن أمِّ مكتوم- رضي الله عنه- مؤذنُ رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- الذي عذرهُ اللهُ في قرآنه، (( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) ) (سورة الفتح:17) .