فهرس الكتاب

الصفحة 8575 من 9994

لم ير أن يسعهُ أن يدعُ فيها فرصةً لخدمةِ الدين تفلتُ منه، ولتكن هُناك في مواقعِ القتالِ، وميدانِ النزال، فيصحبُ كتائبَ المسلمينَ، ويطلبُ أن توكلَ إليهِ المُهمةُ التي تُناسبه، فقال: إنِّي رجلٌ أعمى، لا أفرُّ، فادفعوا لي الرايةَ أمسك بها، وتحملُ كتبَ التاريخ أنباءَ ابن أمِّ مكتوم، وأنَّهُ كان أحدُ شهداءِ القادسيةِ، يومَ غشيتهُ الرماحُ، فلم تصادف فرَّاراً ولا مُولياً، ولا مُعطياً دبرهُ في قتال.

وهذا ضمام بن ثعلبةَ يأتي مُسلماً ويسألُ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- عما يجبُ عليه، فيأتيهِ الجوابُ بأنَّ عليه الشهادتين، وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاة، وصومُ رمضانَ وحجُّ بيتِ اللهِ الحرام، حتى إذا عرفَها آمنَ بها ثُمَّ قال: يا رسولُ الله: واللهِ لا أزيدُ على هذهِ ولا أنقصُ، لكنهُ لا يرى ولا يرى أنَّ العملَ للدينِ داخلٌ فيما تحللَ منهُ، فينقلبُ إلى قومهِ داعياً إلى اللهِ، يقولُ لهم يا قومِ بئست اللاتُ، بئست العزى، ويظلُّ بين ظهرانيهم حتى لا يبقى بيتٌ من بيوتهم إلاَّ دخلهُ الإسلام .

إنَّها نقطةٌ في بحرِ الإيجابيةِ الذي خاضهُ أسلافنا، فأثمرَ جهادُهم وبذلهم أعظمُ إنجازٍ يومَ طوي بساطُ المشرقِ إلى الصينِ، وبساطُ المغربِ إلى المحيطِ تفتحهُ كتائبُ المجاهدينَ من الصحابةِ والتابعين، ما كانَ هذا الإنجازُ ليتحققَ إلاَّ على أيدي رجالٍ يُعلنُونَ في كلِّ موقعةٍ قائلين: إنَّ الله ابتعثنا لنخرجَ الناسَ من عبادةِ العباد إلى عبادةِ ربِّ العباد .

إنَّ هذا المعنى العظيمُ معنى العطاءِ للدينِ والبذلِ له، وتسخيرِ الحياةِ من أجلهِ حتى إذا الحياةُ كلَّها بليلِها ونهارها، وإذا النفسُ بمشاعرها ووجدانها وبكلِّ طاقاتها مسخرةً لهذا الدين.

هذا المعنى توارى أو خفت في نفوسِ كثيرٍ من المسلمين، بل ضعفَ في نفوسِ الشبابِ المتدين ذاته.

لقد قالَ جل وعلا: (( َقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (سورة الحديد:25) .

وقد قامَ بالنصرةِ بالسيفِ طائفةٌ من المؤمنين، وهُم المُجاهدُون الصادقون، وقامَ بالهدايةِ بالكتابِ بعضُ العلماءِ وطلابُ العلمِ والدعاةِ والعاملين ، وهاتان الطائفتانِ هُم بقيةَ الخيرِ في الأمةِ، الذين قاموا بما يجبُ عليهم نحو دينهم، فنجوا بصلاحِهم وإصلاحهم، (( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) ) (سورة هود:117) .

وبقيت في الأمةِ جموعٌ غفيرةٌ تتفرجُ على معركةِ الإسلامِ مع خصومه، وكثيرٌ منهم ممن ينتسبُ إلى الصحوةِ المباركة، فحبُهم للإسلامِ، وحميتُهم على الدينِ لا تتجاوزُ عبارات الإعجابِ بالمجاهدينَ والمصلحين، وعباراتُ الذمِ والتشنيعِ على الكافرين، وهذا وإن كان خيراً إلاَّ أنَّهُ لا ينصرُ ملةً ولا ينقذُ أمةً .

بل من هذه الجموعِ فئةً مجالسُهم تحليلٌ وتنظيرٌ بلا عملٍ ولا إنتاج، جلَّ حديثهم نقدٍ لفلان، وتفسيقٍ لعلان، وذمٍ لهذا، وإسقاطٍ لذاك، وإن بحثتَ عنهم في ميدانِِ البذلِ للدينِ، لم تجد لهم أثراً ولم تسمع عنهم خبراً، يبدعُون في لومِ العاملين، وتخطئةِ المُجتهدين، وإن قيلَ لهم تعالوا فاعملوا لدينِ اللهِ أو ادفعوا، أطرقوا بالرؤوسِ وهُم يجمحُون.

فإلى هذه الجموعِ الخاملة، والطاقاتِ المعطلة، كونوا أنصارَ اللهِ وخوضُوا المعركةَ مع إخوانِكم، وسارِعُوا في ردِّ كيدِ الأعداءِ من الكفارِ والمُنافقين، وخُوضُوا في بحرِ البذلِ والعطاءِ لدينِ اللهِ، دعوةً وتعليماً، وأمراً بالمعروفِ ونهياً عن المنكرِ، وجهاداً في سبيلِ الله.

أنتَ يا أخي قادرٌ على أن تفعلَ للإسلامِ الكثيرِ مهما قلَّ علمُك، وضعُفَ تدبيرُك، وخفي اسمكَ، وجهُلَ قدرُك.

أنت كنزُ الدرِّ والياقوتِ في لجةِ البحرِ وإن لم يعرفون

محفلُ الأجيالِ محتاجٌ إلى صوتكَ العالي وإن لم يسمعوكَ

قُل وردد، أنا سهمٌ للإسلام، فحيثُ كانت مصلحةُ الإسلامِ فارموا بي هُناك.

أخي: إنَّ القلوبَ ينبغي ألاَّ تشحُّ بمشاعرها، والعيونُ لا تبخلُ بدموعها، فأينَ العطاءُ للدينِ في حياتنا، أخي: إنَّ الغيرةَ على الدينِ وحملِ همِّهِ يجبُ أن تكونَ هاجسُ كلُّ واحدٍ منا، وهماً يجري في عروقِ كلِّ مسلمٍ صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً أو أنثى، عالماً أو جاهلاً، صالحاً أو فاسقاً، فلا يجوزُ أن تكونَ الذنوبُ والخطايا حاجزاً وهمياً بين العبدِ وبين العملِ الإيجابي لهذا الدين، نُريدُ أن يكونَ هَمُّ هذا الدينِ يُلاحقُ المرأةَ في بيتها، والرجلُ في متجرهِ، والمعلمُ في فصلهِ، والطالبُ مع زملائِهِ، والموظفُ في دائرتِهِ، بل ويحملهُ الشابُّ على الرصيفِ، وفي مدرجاتِ الملاعبِ، فلم تكن الخطيئةُ يوماً مهما عظُمت حائلاً بين المُسلم وبين أن يُساهِم في نُصرةِ هذا الدين، فقد ذهبَ بعضُ الصحابةِ إلى غزوةِ أحدٍ بعد ليلةٍ من شربِ الخمرِ كما في صحيحِ البخاري، أنَّهُ اصطبحَ ناسٌ الخمرَ يومَ أحدٍ ثُمَّ قُتلوا شُهداء .

وفي قصةِ أبي مِحجن الثقفي عبرةً وعظة، وهو الذي كان يشربُ الخمرَ، ويُجلدُ عليها، فلم يمنعهُ ذلكَ عن الجهادِ في القادسية، وكعبُ بن مالكٍ وهو المتخلفُ عن الجهادِ مع رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- لم يمنعهُ ذلك من الاعتزازِ بدينهِ والتمسكِ به أمامَ إغراءاتِ ملكِ غسان.

أخي:

إنَّ العملَ للدينِ ليس مصنفاً إلى شرائحَ وفئات، فكلُّ مُسلمٍ بانتمائِهِ للإسلامِ عاملٌ للدينِ مهما كان عليه، ومهما كانَ فيهِ من خطأ، ومهما اعتراهُ من تقصير، فينبغي ألاَّ تضيفَ إلى أخطائك خطأً آخر، هو القُعُودُ عن العملِ للدين.

إنَّ العملَ للدينِ ليسَ وظيفةً تصدرُ برقمٍ وتاريخ، ولكنهُ صدرَ بأمرٍ ربانيٍّ برقمِ مائةً وخمسةً وعشرين من سورةِ النحل، (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) ) (سورة النحل:125) .

إنَّ العملَ للدينِ ينبغي أن يبقى ظاهراً في حياتنا، نراهُ في شابٍ يوزعُ شريطاً أو كتاباً، نراهُ في شابٍ يُبلغُ كلمة، نراهُ في موقفٍ يُعلنُ إنكارَ منكرٍ، نراهُ في معلمٍ يوجِّهُ طلابهُ، وأبٍ يُرشدُ أبنائه، نراهُ هنا وهنا وهناك.

إنَّ العملَ للدينِ أمرٌ لا نستخفي به، ولا نتسترُ عليه، بل ينبغي أن تبقى ساحتُنا فوارةً بالعملِ الضخمِ للدين، نراهُ في كلِّ فلتةٍ وفي كل لفته، (( هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) ) (سورة محمد:38 ) ) .

أقولُ هذا القول .

الخطبة الثانية

أما بعد ..

إنَّ الدعوةَ إلى اللهِ عز وجل صورةٌ من صورِ العملِ لهذا الدين، ومظهرٌ من مظاهرِ الغيرةِ عليه، الدعوةُ إلى اللهِ وظيفةَ الرسل ، (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ) (سورة فصلت:33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت