فهرس الكتاب

الصفحة 4183 من 9994

#بين داود وسليمان عليهما السلام

الحمد لله خلق الأرض والسماوات العلا، الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، والصلاة والسلام على خير من وَطِئَتْ قدماه الثرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعد:

كانت وقفاتنا السابقة مع داود وسليمان عليهما السلام، تحدثنا عن كلا النبيين الكريمين بشيء من التفصيل واستخلصنا الدروس والفوائد من كل موقف، وفي هذه الحلقة بعون الله تعالى وحوله وطوله نتحدث عن حكومة (قضية) حكم فيها داود وسليمان أشار إليها القرآن الكريم، وأخرى أشارت إليها السنة الصحيحة، وإنما أردنا تلكم الوقفة المستقلة مع هاتين القضيتين لما قد يُساء فهمه للوهلة الأولى، فأردنا وقفة فيها متسع لبسط القول وذكر آراء أهل العلم بما يحفظ لكل ذي فضل فضله، والفضل لله أولاً وآخرًا: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [الجمعة:4] ، والآن نشرع فيما أردنا الحديث عنه على النحو التالي:

أولاً: قال تعالى: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين [الأنبياء: 78- 82] .

ومعنى الآيات الكريمة: اذكر- يا رسولنا - لقومك خاصة وللناس كافة قصة داود وسليمان عليهما السلام: إذ يحكمان في الحرث- أي حال كونها يحكمان في الزرع، قيل إنه كان عناقيد تدلت، إذ نفشت فيه غنم القوم أي انتشرت وتفرقت فيه ليلاً بلا راعٍ فرعته وأفسدته.

قال ابن كثير - رحمه الله - عند تفسير هذه الآيات نقلاً عن أبي إسحاق عن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، قال كرْم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله، قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرْم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرْم (العنب) فيصيب منها حتى إذا كان الكرْم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها فذلك قوله: ففهمناها سليمان. اهـ.

وحتى لا يفهم القارئ من العبارة السابقة تقليلاً من شأن داود عليه السلام عقب ربنا سبحانه وتعالى بعدها مباشرة بقوله: وكلا آتينا حكما وعلما، فداود عليه السلام حكم بالعدل وسليمان عليه السلام حكم بالفضل، وقد أثنى الله على حكمه الذي وفقه إليه لأنه يحب الرفق في الأمر كله كما جاء في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» . ثم استمرت الآيات الكريمة في بيان ما مَنَّ الله سبحانه به على كل من داود وسليمان فقال تعالى: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين، وقد تناولنا ذلك فيما سبق بما يغني عن إعادته، وخلاصة القول: أن الله سبحانه قد خصَّ كلا من النبيين بما يناسبه من فضل ومنِّة، وإن تميز أحدهما بشيء عن الآخر فليس في ذلك انتقاص من فضل الآخر، وهذا أمر مقرر في الشريعة ولولا خشية الإطالة لأوردنا أدلة كثيرة على ذلك.

يجب ألا ننسى أن سليمان قد ورث داود وهو ابنه وكلما نُسب فضلٌ إلى سليمان عليه السلام فهو فضل لداود عليه السلام.

ثانيًا: القصة الثانية كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام، فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى» . قال الإمام النووي- رحمه الله-: «توصل سليمان بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية، فأوهمهما أنه يريد قطعه، ليعرف من يشق عليها قطعه، فتكون هي أمه، فلما هان على الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه، ولما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه» ، ولا شك أن في هذه القصة دليلا على فراسة سليمان عليه السلام وعبقريته في استخراج الحكم بالقرائن والاستدلال بالأمارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت