حقنًا للدماء وإتقاء لويلات الحروب وتمكينًا للناس من الضرب في الأرض والكد في
الحياة لكسب الرزق وعمارة الدنيا والدعوة إلى الحق وهداية الخلق إقامة للعدل
بين العالمين، لو قيل ذلك قولاً متجهًا وكان السعي في تحقيقه سعيًا ناجحًا
والقصد إليه قصدًا نبيلاً له مكانه، وعظيم أثره، لكن مع المحافظة على إحقاق
الحق ونصره فلا يكون ذلك على سبيل مداهنة المسلمين للمشركين وتنازلهم عن شيء من
حكم اللَّه أو شيء من كرامتهم وهوانهم على أنفسهم بل مع الإبقاء على عزتهم
والاعتصام بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم عملاً بهدي القرآن واقتداءً بالرسول الكريم
عليه الصلاة والسلام، قال اللَّه تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح
لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم الآيات،
وقال تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم
الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم، وقد فسر ذلك
النبي صلى الله عليه وسلم عمليًا وحققه بصلحه مع قريش عام الحديبية ومع اليهود في المدينة قبل
الخندق وفي غزوة خيبر ومع نصارى الروم في غزوة تبوك، فكان لذلك الأثر العظيم
والنتائج الباهرة من الأمن وسلامة النفوس ونصرة الحق والتمكين له في الأرض
ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، واتجاه الجميع للعمل في الحياة لدينهم
ودنياهم فكان الرخاء والازدهار وقوة السلطان وانتشار الإسلام والسلام، وفي
التاريخ وواقع الحياة أقوى دليل وأصدق شهيد على ذلك لمن أنصف نفسه أو ألقى سمعه
واعتدل مزاجه وتفكيره وبرئ من العصبية والمراء، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب
أو ألقى السمع وهو شهيد، والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
خامسًا: إن الدروز والنصيرية والإسماعيلية ومن حذا حذوهم من البابية
والبهائية قد تلاعبوا بنصوص الدين وشرعوا لأنفسهم ما لم يأذن به اللَّه وسلكوا
مسلك اليهود والنصارى في التحريف والتبديل اتباعًا للهوى وتقليدًا لزعيم الفتنة
الأول عبد اللَّه بن سبأ الحميري رأس الابتداع والإضلال والإيقاع بين جماعة
المسلمين، وقد عم شره وبلاؤه وافتتن به جماعات كثيرة فكفروا بعد إسلام وتمكنت
بسببه الفرقة بين المسلمين فكانت الدعوة إلى التقارب بين هذه الطوائف وجماعة
المسلمين الصادقين دعوة غير مفيدة وكان السعي في تحقيق اللقاء بينهم وبين
الصادقين من المسلمين سعيًا فاشلاً لأنهم واليهود والنصارى تشابهت قلوبهم في
الزيغ والإلحاد والكفر والضلال والحقد على المسلمين والكيد لهم وإن تنوعت
منازعهم ومشاربهم واختلفت مقاصدهم وأهواؤهم فكان مثلهم في ذلك مثل اليهود
والنصارى مع المسلمين، ولأمر ما سعى جماعة من علماء الأزهر المصريين مع القمي
الإيراني الرافضي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وجدوا في التقارب المزعوم
وانخدع بذلك قلة من كبار العلماء الصادقين ممن طهرت قلوبهم ولم تعركهم الحياة
وأصدروا مجلة سموها مجلة «التقريب» وسرعان ما انكشف أمرهم لمن خدع بهم فباء أمر
جماعة التقريب بالفشل، ولا عجب فالقلوب متباينة والأفكار متضاربة والعقائد
متناقضة وهيهات هيهات أن يجتمع النقيضان أو يتفق الضدان.
والحمد لله رب
العالمين