لقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة لدى عدد من الدعاة والكُتَّاب المسلمين عن أهمية الحوار مع «الآخر» وعن ضرورة الاعتراف «بالآخر» وعن ضرورة البرِّ والقسط إليه، إلى درجة يكاد يرفع، من خلال ذلك، بعض الكتّاب المسلمين «الآخر» فوق المسلم، ويحرصون عليه وعلى حقوقه ولا يلتفتون إلى المسلم وحقوقه، وعُقِدت مؤتمرات وندوات عن ذلك. وبعضهم يبني ذلك على قوله ـ تعالى ـ: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .
فيأخذون بعض هذه الآية ويتركون بعضها الآخر الذي هو الأساس. إنهم يقولون: يجب أن نتعامل مع هؤلاء وهؤلاء بالحكمة ونخاطبهم بالتي هي أحسن. وفي سبيل هذا الهدف يمكن أن نتنازل ونتعاون ونتقارب. وبذلك يلغون القاعدة التي قامت عليها الإشارة إلى الحكمة وما تلاها، ألا وهي: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ...} ! تَركوا الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، وأقاموا مكانها علاقات اجتماعية واقتصادية ومصالح مادية، وأخذوا من الآية الكريمة ما يظنّون أنه يسوّغ ما هم فيه من علاقات تطورت حتى أصبح فيها المسلمون يمتدحون مبادئ هؤلاء وفلسفاتهم ونظمهم وأدبهم وفكرهم. انقلبت الآية وأصبحنا نحن الذين نُدْعَى ولسنا الذين يدعون، على الأقل من الناحية العمليّة التطبيقية والنتائج الملموسة.
كيف يأمرنا الله أن ندعو هؤلاء من أهل الكتاب وغيرهم؟ وكيف تكون العلاقة معهم؟ فلنستمع إلى آيات الله البيّنات:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً * إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 47 - 48] .
إنَّ أوّل ما نفهمه من هذه الآية الكريمة هو أنَّ الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، إلى الإسلام، دعوة واضحة جادّة صريحة، دعوة إلى التخلّي عن الشرك.
إنَّ المواربة في هذا الأمر أو المداهنة أو المساومة ليست أسلوباً يدعو له الإسلام أو يرضى به الله. إنَّ الله يريد أن تكون دعوته واضحة جليّة، وأن نُبلّغها كما أُنزلت على محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فليست الدعوة إذن إلى التقارب مع «الآخر» فأيّ تقارب بين التوحيد والشرك؟ إنَّ قوة أهل الكتاب اليوم وسلطانهم الممتدّ يضغط على بعض المسلمين وعلى فكرهم، فتختلط الأمور تحت تأثير هذا الضغط.
لا بدَّ من أن نؤكِّد أنَّ أساس العلاقات هو الدعوة إلى الإسلام، وأن تكون الدعوة واضحة جليّة لا تدع لأحد عذراً يدّعي معه أنه لم يستوعب الدعوة، ويجب أن تكون الدعوة عامة على جميع المستويات، كما أنزلت من عند الله.
ولنستمع إلى آيات بيّنات أخرى توضّح ذلك:
{الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 60 - 63] .
وهذا أسلوب آخر من أساليب الدعوة إلى الإسلام يحمل خصائص الأسلوب السابق نفسها: الوضوح والجلاء، النهي عن المراء والمماراة؛ فإذا لم ينفع الجدل بإقناعهم بالحقّ من عند الله، فليجتمعوا ليدعوا أنَّ لعنة الله على الكاذبين. وأسلوب آخر:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
أسلوب ثالث، ولكنه مثل سائر الأساليب، واضح جليّ حاسم. فإن لم يستجيبوا فيعلن المسلم إسلامه واضحاً جليّاً ويقول: «اشهدوا بأنا مسلمون» .
لقد عرضت هذه الآية الكريمة أُسس الخلاف وأخطر قضاياه، وحددت الموقف الإيماني الحاسم منها كلّها.
هذه هي الحكمة والموعظة الحسنة التي يريدها الله والتي أشارت إليها الآية من سورة النحل: قول الحقّ والصدق، الوضوح والجلاء، عرض أخطر القضايا.