فهرس الكتاب

الصفحة 4887 من 9994

فلم يكن القرآن يبحث عن العوامل المشتركة الأساسية في دعوة الآخرين من المشركين ومن أهل الكتاب وغيرهم كما يدّعي بعض المسلمين اليوم؛ إنَّما كان يعرض الحق ويدعو إليه. فأنَّى يكون بين التوحيد والشرك عوامل مشتركة؟ وإذا كانت هنالك عوامل مشتركة هم يؤمنون بها ونحن نؤمن بها؛ فلماذا ندعوهم إليها؟ فما ذكرته الآية الكريمة من سورة آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ..} ، لا تعرض عوامل مشتركة، وإنما تعرض جوهر الخلاف والقضايا غير المشتركة لتذكّرهم بها؛ لأنَّها كانت هي أساس دينهم الذي حرّفوه، حتى أصبحوا بسبب التحريف مشركين. وإذا كانت كلمة «سواء» عاملاً مشتركاً فلماذا ندعوهم إليها؟

إنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أمرنا أن ندعو أهل الكتاب إلى الحقِّ الذي فارقوه، وأمرنا أن نُجادلهم بالتي هي أحسن، دون أن نُغيّر حقيقة الدعوة وأهميتها وقضاياها تحت ادعاء «بالتي هي أحسن» :

{وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .

نعم! بالتي هي أحسن. إنها الأسلوب الذي يقنعهم بالحقِّ دون أيّ تنازل عنه. وهذا الحق هو الذي أُنزل إلينا فآمنَّا به وحفظه الله لنا، وهو الذي أُنزل إليهم كذلك فحرّفوه وبدَّلوه فأشركوا. ثم تكون النتيجة هي الحسم والفصل: «ونحن له مسلمون» .

لا بدّ أن يكون أسلوب الجدال يجمع قوة الحجّة، وصدق النيّة، وسلامة المنهج.

إنَّ الذي يعرضه القرآن الكريم من أجل التعامل مع «الآخر» وغيرهم في الأرض هو منهج متكامل متماسك، وليس قطعاً منثورة هنا وهناك. فلا بدّ حين نتحدّث عن هذا الموضوع أن نشير إلى هذا المنهج وإلى تكامله وإلى أسسه التي يقوم عليها، حتى تكون الصورة التي نعرضها أقرب للتقوى.

وحين لا نلتزم النهج أو لا نشير إليه وإلى أُسسه، ونكتفي بأخذ آية واحدة من هذا المنهج، فإنَّ الصورة ستختلف عندئذ كثيراً، والمصطلحات التي نستخدمها لا تنصف الدلالة المرجوة وقد تفارقها.

ويقول بعض الدعاة إنَّ الإسلام يدعو إلى التضامن مع «الآخر» ، لدرء المفاسد وجلب المصالح والمنافع للناس، كرفع الظلم ورعاية حقوق الإنسان وتعزيز الحريّة والعدالة وسائر المبادئ الإنسانية، ويستشهد على ذلك بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لقد حضرت في دار ابن جدعان حلفاً ما أُحبُّ أنَّ لي به حمر النعم، ولو أُدعى إليه في الإسلام لأجبت» [سيرة ابن هشام] .

حين يقال ذلك فإنه لم يُبيّن مَنْ هو «الآخر» أولاً، وما هي المفاسد وما هي المصالح، وما هي حقوق الإنسان وما هي الحريّة والعدالة والمبادئ الإنسانية، وما هو مقياس ذلك كله وميزانه؟ ومن الذي يحدّد المقاييس والموازين؟

إنّ حلف الفضول الذي كان في الجاهلية كان تعاهداً بين قبائل قريش: «على أن لا يَدَعوا بمكّة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا أقاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى تردّ إليه مظلمته» . لقد كان أولاً حلفاً على قضيّة محدّدة بين قبائل قريش، لهم على الظلم ميزان يحتكمون إليه في جاهليتهم. وبعض هذا الميزان خير وبعضه غير ذلك. فإن قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثه المذكور أعلاه فلا يعني أنه أقرَّ ميزان الجاهليّة لتحديد الظلم ولرفعه. ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- في حديثه المذكور «لو أُدعى به في الإسلام لأجبت» . وهذا يعني أنه «في الإسلام» لن يكون إلا ميزان واحد هو ميزان الإسلام، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه التعاون في نظر الإسلام؛ حيث يكون ميزان واحد يميّز الباطل من الحقِّ.

ففي حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إقرارٌ لمبدأ التعاون على رفع الظلم، وتحديد للميزان الذي يحدّد الظلم. وكان «الآخر» آنذاك محدّداً معلوماً.

أما اليوم، فحين ندعو إلى التضامن مع «الآخر» فمن هو «الآخر» ؟ أليس هو الذي أجرى دماء المسلمين في فلسطين وفي العراق وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين؟ أليس هو القوة المسيطرة التي تحكم في الأرض بموازينها المضطربة وشعاراتها المزخرفة ومكاييلها المتعددة؟

فيحقُّ لنا أن نتساءل: إذاً لماذا هذا الحرص على «الآخر» ، و «الآخر» ليس بحاجة إلى حرصنا عليه، ولا هو حريص علينا؟ ولماذا تُثار هذه القضية و «الآخر» يدير المجازر في ديارنا غير عابئ بأحد؟

وباستعراض تاريخنا وخاصة في العصر الحديث الذي نعيشه لا أجد أنَّ «الآخر» وجد عدالة وحياة أفضل مما وجدها بين المسلمين. لقد عاش النصارى في معظم أقطار العالم الإسلامي حياة مطمئنّة كريمة إلا في فترات قليلة من تاريخنا الإسلامي. فالنصارى واليهود لم يُظْلموا في المجتمعات الإسلامية، ولكن يعاقبون بمقدار ما يُكْشَف من تعاونهم مع أعداء الأمة حين يتلقّون منهم التوجيه، ويعملون حسب المخطط الذي يرسمونه لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت