الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
صور وعبر متقابلة من قوة وعزة إلى ضعف وذلة، نستجلي بها ما أخبرنا به الله - جل وعلا - من شروط النصر وأسبابه، وما كشفته لنا سننه الماضية وآياته الناطقة من أسباب الضعف والخذلان التي تعود وترتبط بكل مخالفة وإعراض عن أمر الله - جل وعلا - وهدي رسوله المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
صور متقابلة ترينا من واقعنا ما الذي نرى فيه الخير فنؤيده ونسعى بكل ما يقيمه في واقع الحياة، ونكشف كذلك من خلالها ما فيه الشر والضر وما ينبغي ألا نكون معه في سبيل، وأن لا نمضي معه في عمل حتى نكون دائرين مع أمر الله وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
من تاريخنا صور متقابلة في هذا وذاك، تجعلنا - دائماً - على تذكر وتدبّر واعتبار..
مواقف لقائد عظيم من قادة الإسلام، ومجاهد من أعلام المجاهدين، وفاتح من مشاهير الفاتحين.. لم نأخذ سيرته من بين صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من أعيان التابعين، بل هو من بعض القواد المتأخرين، ذلكم هو فاتح المغرب الأوسط والأقصى، والفاتح الأعظم في بلاد الأندلس - الفردوس المفقود الذي تذكرنا أحداث تواريخه عند سقوطه بكثير من مآلات الأمور في حياتنا العامة - موسى بن نصير، القائد الإسلامي العظيم الذي توجه فاستعاد فتح بلاد المغرب الأوسط، ثم ركب البحر وفتح طنجة، وتوجه أيضا باتجاه الغرب حتى عاد وفتح بلاد المغرب الأقصى، وتاقت نفسه كذلك إلى فتح بلاد الأندلس فأرسل واحداً من قادته يستجلي الخبر فخرج إلى قرية طريف من جهة البحر فيما يقابل المغرب، فنزل بالجزيرة الخضراء وقاتل وغنم، ثم رجع ومضى بعد ذلك مولاه طارق بن زياد، لكن موسى بن نصير - رحمه الله - لحق به وسار في الفتح مسيراً أعظم، وبخطة أحكم مما كان عليه من سبقه من قادته، فمضى وكانت الفتوحات قبل مضيه فيما فتح الله عليه عظيمة بعث بها التابعي الجليل علي بن رباح ومعه أيضا رجل آخر إلى الوليد - الخليفة إذ ذاك - فقالوا في وصف ما فتح الله به على موسى بن نصير: يا أمير المؤمنين تركت موسى بن نصير في الأندلس، وقد أظهره الله ونصره، وفتح على يديه ما لم يفتح على أحد قبله، ومضى يدكّ الحصون ويفتح البلاد، ويغرّب ويوغل في أرض الأعداء حتى بلغ مبلغاً عظيماً وأراد أن يسير بجيشه فقالوا: أين تذهب بنا حسبنا ما قد ملكنا بأيدينا؟ إلى أين تريد أن تمضي؟ إلى أين تسير بك همتك العظيمة وروحك المجاهدة؟ حتى قال له بعض أعلام وأعيان ممن معه: أين تمضي فتهلك القوم والناس؟ فقال - رحمه الله - مقالة مشهورة نسبت له، والتصقت بسيرته في التاريخ قال:"والله لو انقادوا إلى لقدتهم إلى رومية ولفتحها الله على يدي إن شاء الله".
من تلك البلاد يريد أن يغرب حتى يمضي إلى روما متعلقا بالثناء والمدح الذي وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفتح على يديهم تلك البلاد العظيمة فيما صح من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فتح قسطنطينة ورومية.
سليمان بن عبد الملك - الخليفة الذي كان بعد ذلك - لما فتح موسى بن نصير تلك البلاد، وسطّر مآثر ومفاخر عظيمة في سجل الجهاد، قفل راجعاً فلقيه سليمان، ودار بينهما حوار يكشف لنا عن كثير من الأسرار، وعن كثير من الأسباب الحقيقية للانتصار.. قال سليمان في حديثه إلى موسى: ما الذي كنت تفزع إليه وتلجأ إليه في تدبير أمرك وإحكام حربك؟ فكان جواب موسى - رحمه الله - قال: التوكل والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين.
أوجز القول وخلص إلى السر والسبب الحقيقي للنصر.. ليس كثرة جيش ولا إحكام خطة، ولا زيادة عدة، وإنما التجاء صادق، واعتماد حقيقي على الله - سبحانه و تعالى - قال: فهل كنت تمتنع في الحصون والخنادق أو كنت تخندق حولك؟ أي هل كان من خطتك كقيادة عامة للجيش الحفاظ على روحك ونفسك، فكنت تنزل في الخنادق أو تعتصم في الحصون؟ فماذا قال موسى بن نصير؟ قال راسماً لنا الصورة المثلى للقيادة العسكرية المؤمنة: كنت أنزل إلى السهل وأستشعر الخوف والصبر، وأعتصم بالسيف والمغفر وأستعين بالله وأرغب إليه في النصر.
كنت أنزل إلى المنطقة المكشوفة؛ ليكون في مقدمة الصفوف.. ليكون في أوائل المجاهدين.. ليكون القدوة لجيشه وجنده، ثم يرغب إلى الله - سبحانه و تعالى - في النصر، فيرسم صورة - أيضاً - مثلى فيما ينبغي أن يكون عليه أهل الإيمان إذا أرادوا النصر على أعدائهم.. إخلاص والتجاء إلى الله واستعداد وأخذ بالأسباب وشجاعة وإقدام وضرب مثل.