وهكذا يمضي الحوار معنا فيقول له سليمان الخليفة: أي الأمم أكثر قتالا؟ قد لقي القوط ولقي الروم، ولقي الفرنجة، وأقواماً مختلفين في تلك البلاد، فسأله سليمان: أي الأمم أكثر قتالا؟ قال: هم أكثر من أن أصف.. قد كان كل قوم من كثرتهم ومن شدتهم ما لا يستطاع أن يقال أولئك أشد من هؤلاء، فقال له سليمان: فصف لي الروم؟ فقال: أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، نساء في مراكبهم، إذا وجدوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غلبة فأوعال تذهب في الجبال، أي يفرون ولا يرون في الهزيمة عاراً.
هذه مدرسة موسى بن نصير يستقيها من القرآن الكريم يستقيها من سنة وهدي وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ويجددها بعد عهود بل بعد قرون من الزمان فتعود غضة طرية متحققة فيها سنن الله ماضية على ما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
واستمع إليه وهو يصف مسيره العظيم وجهاده الطويل فهل ترى جاهد عاما أو عامين؟ وهل ترى كان مرابطا أو فاتحا لفترة من الزمان قصيرة؟ وأي شيء جرى على يديه لما أخلص لربه ومولاه ولما كان معتمدا عليه كما سنرى في بعض مواقفه ومعاركه، قال - رحمه الله: والله ما هزمت لي راية قط، ولا بدد لي جمع، ولا نكب السلمون معي منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين؟
يجاهد ويفتح وينتصر بإذن الله - سبحانه و تعالى - وهو يبين كيف تعلو راية الإسلام؟ وكيف تظهر عزة المسلمين؟ وكيف يدال على الكفر والكافرين؟ وكيف يذل أولئك المعاندين والمعارضين إذا وجدوا عبادا لله أتقياء مخلصين، له أصفياء شجعان ليسوا بالجبناء، فهكذا ترينا تلك الصفحات من تاريخ موسى بن نصير كثيراً مما ينبغي أن نتأمله ونستمع إلى وصف بعض من كان معه من جنده لنرى كيف كانوا يرون في سيرته ومسلكه، وفي شجاعته وبطولته ما يثير الهمة في نفوسهم، وما يقتل الضعف والجبن ويزيل الخور من نفوسهم وذلك هو أثر القادة فيمن وراءهم.
جعفر بن الأشتر يقول: كنت ممن غزى الأندلس مع موسى بن نصير فحاصرنا حصنا من الحصون فاستعصى علينا - وكان حصنا عظيما - حتى إذا طال الوقت صاح موسى بن نصير بالجند أن أصبحوا على تعبئة - أي استعدوا في الصباح وكونوا متهيئين - قال: فقال الناس لعله قد جاءه خبر من شأن القوم بأن يصيب منهم غرة، أو لعله قرر أن ينصرف عنهم لعدم الإمكان، قال: فلما أصبح الناس قال لهم:"أيها الناس إني متقدم الصفوف فإذا رأيتموني قد كبّرت وحملت فكبروا واحملوا"، لم يكن هناك شيء قد تغير، ولكنه طال عليه أمد الحصار، وهو الذي لا يحب إلا الجلاد والقتال، وهو الذي لا يصبر عن الجهاد ولا يحب الانتظار، وهو الذي يستبطئ النصر.. قال:"إني متقدم الصفوف فإذا كبرت فكبروا، وإذا حملت فاحملوا"، فأي شيء زاد في الأمر؟ وأي شيء أراد أن يستصحبه للنصر؟
لنستمع إلى رواية جعفر وهو يتم لنا وصف الحدث، قال: فقال الناس أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه؟ ما الذي يريد أن يفعله إنه الهلاك المحض والفناء المتحقق، فقالوا: يأمرنا أن نحمل على الحجارة وما لا سبيل إليه حصون مبنية أي شيء نصنع فيها؟ قال: فتقدم بين الصفوف بحيث يراه الناس ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة فأطال ونحن ركوب ننتظر، ثم كبر فكبر الناس وحمل وحمل الناس ففتح الله - عز وجل - عليه. لقد استبطأ النصر فلجأ إلى الدعاء، واستحضر شجاعته ورغبته وشوقه إلى الشهادة، فجمع من وراءه من جنده لما رأوا قائدهم أمامهم لما رأوا تضرعه إلى خالقهم ساروا لم يتخلفوا، وانطلقوا ولم يتلكئوا، وأقدموا ولم يحجموا، وانتصروا بإذن الله - عز وجل - ولم يهزموا.
وهذا الذهبي - مؤرخ الإسلام العظيم - يصف لنا بعض مواقفه التي تتجلى فيها هذه المعاني التي ذكرناها، يقول الذهبي رحمه الله: حمل مع الروم ووقف مواقف عظيمة، وكان في موقف مشهود وهَمّ المسلمون بالهزيمة - يعني كان الأمر في شدة وكادت الدائرة دور على المسلمين ويهزمون - قال: فكشف موسى بن نصير سرادقه عن بناته وحرمه، ورفع يديه بالدعاء والتضرع إلى الله - عز وجل - والبكاء له - سبحانه و- تعالى - فانكسرت أجفان السيوف بين يديه - أي جاء جنده وكسروا أجفان السيوف - دلالة على الاستعداد التام للتضحية والفداء والقتال، قال: فكسرت أجفان السيوف بين يديه وصدقوا اللقاء ونزل النصر وغنموا ما لا يحصى من الغنائم.
وهكذا نرى هذه المواقف وهي التي تبين لنا ما ذكره الله - جل وعلا - من أسباب النصر ومما يستحضره المؤمنون في تلك المواقف: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} .
والصبر الذي أوصى به الحق - جل وعلا - والاجتماع والوحدة التي دعانا إليها القرآن، وكل هذا ظاهر بين فيما ذكرنا من بعض هذه المواقف العظيمة لموسى بن نصير الذي مدحه المادحون فقال بعضهم:
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت *** عن شأوهن مطي وصفي ظلعا
وجرين جري الشمس في أفلاكها *** فقطعن مغربها وجزن المطلعا
لو نيطت الدنيا بأخرى مثلها *** لعممنها وخشين ألا تقنعا