لو استفرغت جهدك في قتال *** أتيت به على الدنيا جميعا
قد استقصيت في سلب الأعادي *** فرد لهم عن السلب الهجوعا
إذا لم تسر جيشا إليهم *** أسرت إلى قلوبهم الهلوعا
سموت بهمة تسموا وتسموا *** فما تلقى بمرتبة قنوعا
وهكذا نرى هذه الأوصاف في مواقف عزة وقوة.. ويتجلى قول الحق - سبحانه و تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} . وقوله: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ} .
ويتجلى تحقق وعده - جل وعلا - فيما جعله حقا للمؤمنين: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
ولعلنا نأخذ صورة مقابلة من البلد نفسه من الأندلس التي ضاعت لنرى كيف جاءت على يد أمثال موسى بن نصير وطارق بن زياد؟ وكيف ضاعت على يد أبي الحسن المأمون ومحمد بن موسى بن هود وأبي عبد الله بن الأحمر وغيرهم من وصفهم المؤرخون من الأعداء والأصدقاء وصفاً يجلي لنا سبب الهزائم وعلة النكبات وصورة الذل الذي ما بعده ذل.. فماذا كان من شأن أولئك وماذا كان من وصف ذلك الحال؟
ولم تزل هذه الجزائر منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق إلى أن تميز فيها سيل العناد والنفاق، فامتاز كل رئيس منهم بموضع كان مسقط رأسه، وجعله مغنماً يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عقر داره إلى أن ضعفوا عن لقاء عدو في الدين يعادي ويراوح معاقلهم بالغيث، ويغادي حتى لم يبق بأيديهم منها أي من هذه الديار إلا ما هو في ضمان هدنة مقررة وإتاوة في كل عام على الصغير والكبير مقررة.
أي صار كل منهم يخالف أخاه، وصاروا شيعاً وأحزاباً فصدق فيهم قول الله - سبحانه و تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} .وإنما كما وصف بعض المؤرخين وهذا وصف آخر يبين لنا علة عدم تنزل نصر الله إذ لا يكون هناك نصر في الواقع لله، بل مخالفة لأمره ومجاهرة بمعصيته وإعراض عن كتابه وتنكب لهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، قال بعض المؤرخين في وصف كثير من أولئك:"إنما كان همة أحدهم كأس يشربها، وقينة يسمعها، ولهو يقطع به أيامه".
والعجيب أن الواصف لذلك هو قائد مغوار من قواد المسلمين يوسف بن تاشفين الذي خرج من المغرب ونصر بعض بلاد وبعض أمراء الأندلس ضد النصارى في ذلك الوقت.
ثم ماذا أيها الإخوة؟ لنقف على بعض المواقف التي نرى فيها تلك الصور المقابلة، وهذا الذي ينبغي لنا أن نتأمله.. المأمون أبو الحسن يحيى -كان هذا اسمه وذلك لقبه وتلك كنيته -كان أميرا على طليطلة، عندما خرج عليه واحد من رعيته في بعض بلاده فاستنجد بالفرنج على تملّك بعض مدائن الأندلس وكاتب طاغيتهم وقال: أقبل علي في مائة فارس في مكان كذا وكذا لعلنا نلتقي ونتفق، وجاء النصارى لكن زعيمهم لم يأت في مائة فارس بل جاء في ستة آلاف جندي مستعد للقتال، وظهر له في الموضع بمائة فارس، وقد أمر جنده أن يتهيئوا فإذا اجتمع الجميع أحاطوا بهم، وكان الأمر كما كان، ثم إن هذا النصراني العلج الكافر خاطب ذلك الغر الأحمق فقال له: قد كنت أظنك يا يحيى عاقلاً وأنت أحمق، جئت إلي وسلمت مهجتك بلا عهد ولا عقد فلا نجوت مني حتى تعطيني ما أطلب قال: فاقتصد - يعني اطلب واختصر - قال: فسمى له حصونا أن يتنازل عنها وقرر عليه في كل سنة كذا وكذا من الأموال، فقبل ورجع ذليلاً مخذولاً، وذلك بما قدمت يداه كما قال الذهبي - رحمه الله -.
ومثله فعل محمد بن يوسف بن هود لما قام عليه واحد ممن معه في بلدة أو قرية من قرى قومه فقال - وقد راسل ألفونسو زعيم النصارى إذ ذاك - قال له: تعينني عليه وأعطيك قرطبة لك! قال:وكيف يكون هذا و في البلاد مسلمون؟ قال: يدخلها الإفرنج بغتة وأخليها من حرسها وأهملها، ثم يأتي الإفرنج ليلا فيعتلون أسوارها فلا يجدون مقاومة ولا قتالا.
ثم كتب بذلك إلى واليه على قرطبة وقال خلي جهتها الشرقية وفعل الإفرنج ذلك واعتلوا الأسوار فلم يجدوا قتالا، ثم صاح بالناس الصيحة في وقت الفجر عند مباغتة الجند فجاء أعيان الناس إلى ذلك الوالي وقالوا ك أخرج بنا إلى عدونا، فقال: حتى يضحي النهار فانتظروا يظنون الاستعداد أو الإعداد، ثم خرج معهم وهو متآمر مجتمع أمره على غير ذلك فلما انكشفا أو توجها إلى قرب النصارى، قال: انتظروا حتى ارجع فأخذ بعض سلاحي فانتظروا حتى انفرط العقد، وحوصرت البلد، ونهب الناس وخرج منها عام أربعة وثلاثين وست مائة.. ذهبت ديار الإسلام والمسلمين وعاث فيها أولئك القوم فسادا وكان فيها ما فيها من صور القهر والذل.
الخطبة الثانية:
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فان تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.