وإن من معين التقوى الاعتبار بما مضى من الأحداث وبما يجري منها، ولعلنا نقف وقفة أخيرة مع صور مهمة تتعلق بواقعنا في الاستنجاد والاستغاثة عندما تحل النكبة، وعندما يتسلط الأعداء، وصورة يجليها لنا واقع التاريخ - إذ ذاك - كيف كان الاستنجاد والاستغاثة؟ وكيف كان الخذلان والتقاعد؟ حتى لا يتكرر في واقعنا ما مضى في تاريخنا من هذا الوصف الذي وصفه بعض أهل البلاد في التقاعس عن نصرة إخوانهم عند ما حلت بهم النكبة، وعاث بهم الأعداء فساداً..
وهذه صورة تتجلى كثيرا في واقع المسلمين، اليوم نكبات من اليهود - عليهم لعائن الله - في أرض فلسطين، وأخرى على المسلمين في بلاد الهند، وثالثة في بلاد الشيشان، وكثيرة هي أحوال الصمت وإغضاء الطرف وموت القلب وقتل النفس وعدم الاكتراث، كأنهم ليسوا منا! وكأن فتكهم ليس بمفض إلينا! وكأن نكبتهم لن تحل بنا! وكأن كارثتهم لن تؤثر فينا! وكأن سخط الله - سبحانه وتعالى - وغضبه لتقاعسنا وتفريطنا وعدم إعلائنا لرايته وعدم غيرتنا على محارمه وعدم نصرتنا لعباده! كأن ذلك كله لا يستوجب عقابا ولا يحل به عذابا!
نسأل الله - عز وجل - أن يسلمنا وأن يرفع عنا.
وابن العربي المالكي - الإمام العالم المفسر المشهور - يروي لنا في واقعته وفي أيامه وقد أثارته هذه الأحداث في بعض المواطن والمواقع.
قال: ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله - عام سبعة وعشرين وخمسمائة من الهجرة، فجاس ديارنا وأسر جيرتنا وتوسّط بلادنا فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله قد حصل في الشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتكن منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج إليه الناس جميعا حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط بهم؛ فإنه هالك لا محالة.
هكذا استنجد، وهكذا حرك الهمم، وهكذا دعا الناس كعالم من علماء المسلمين يذكرهم بواجبهم.. إن العدو قد نزل بدارنا وقد جاس في ديارنا وقد أسر جيرتنا وتوسط بلدنا فلابد من نصرة الدين ولابد من اجتماع الجميع، ولابد من خروج الناس جميعا، فماذا كانت النتيجة؟
يصفها ابن العربي بنفسه فيقول:"فغلبت الذنوب، وشقيت بالمعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى جحره، وإن رأى المكيدة بجاره فإنا لله وإنا إليه راجعون".
ولعل هذه المواقف عِبَرٌ حيّة ناطقة في كثير من شواهد واقعنا، ونحن -كما قلت - نجدد الحديث، ونجدد التذكير، ونجدد التحفيز لئلا ننسى قضايانا، ولئلا ننسى إخواننا، ولئلا ننسى غيرتنا على ديننا، ولئلا ننسى أن نرفع إلى الله - عز وجل - دعاءنا، وأن نتحقق بالحزن والألم ببكائنا أو بتباكينا، وألا يكون عندنا نوع من الرضا بالقواقع ولا الاستسلام له ولا التبرير لمثل هذه الوقائع التي تجري على الأمة في كثير من مواقعها، وفي بيت المقدس وأرض الإسراء على وجه الخصوص، وهذه عبر ناطقة
يا غافل وله في الدهر موعظة *** إن كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشيا مرة يلهيه موطنه *** أبعد حمص تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها ***وما لها مع طول الدهر نسيان
يا راكبين عناق الخيل ضامرة *** كأنها في مجال السبق عقبان
أ عندكم نبأ من أهل أندلس *** قد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم *** قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم *** وأنتم يا عباد الله إخوانا
ألا نفوس أبيات لها همم *** أما على الخير أنصار وأعوان؟
يا من لذلة قوم بعد عزهم *** أحال حالهم كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم *** واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
عظات وعِبرٌ يجري بها التاريخ وينطق بها الواقع ولقننا إياها الحق - سبحانه و تعالى - آيات في كتابه تتلى، وعلمنا إياها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحاديث من قوله الطيب تروى، وساقتها لنا صفحات التاريخ أحداث وعبر ينبغي أن نتأملها وأن نعتبر بها.