فهرس الكتاب

الصفحة 9180 من 9994

ومن الآيات أيها المؤمنون التي ظهرت في حفر هذا الخندق: عن البراء بن عازب قال: (( أمرنا رسول الله r بحفر الخندق قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول قال: فشكوها إلى رسول الله e فجاء رسول الله r قال عوف: وأحسبه قال: وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال: باسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ثم قال: باسم الله وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا ثم قال: باسم الله وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا ) ) (3) .

فاستبشر بذلك المؤمنون الصادقون وتبلبل الواهنون المرتابون فقال الذين في قلوبهم مرض: ماوعدنا الله ورسوله إلا غروراً.

فلما اجتمعت جحافل الكفر حول المدينة وضيقوا عليها الخناق اشتدت الحال بالمسلمين وعظم عليهم الكرب وزاد الأمر أن اليهود يهود بني قريظة نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي r فضاق الأمر بالمسلمين كما قال الله تعالى: ?إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ? يعني الأحزاب، ?وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ? يعني يهود بني قريظة ?وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ` هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً? (4) ومع شدة الكرب وعظم البلاء مازاد المؤمنون على أن قالوا: ?هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً? (5) أما المنافقون فقد قالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً.

أيها المؤمنون أقام المشركون محاصرين رسول r شهراً ولم يكن بينهما قتال يذكر لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين. فأراد النبي r لما طال على المسلمين الخطب أن يصالح الكفار إلا أن الصحابة أبوا ذلك لما شاورهم النبي r.

فكان من بديع لطف الله وعاجل فرجه أن صنع للمسلمين أمراً من عنده خذل به أعداءه وهزم جموعهم ونصر به أولياءه وأعز حزبه فكان مما هيأ من ذلك أن نُعيم بن مسعود رضي الله عنه كان من المشركين فأسلم وجاء للنبي r فقال له: يارسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت فقال له النبي r: (( إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة ) ) (6) فأوقع t الخلاف بين اليهود وحلفائهم من المشركين فتخاذل الفريقان، وبدت علامات الشقاق والخلاف بينهم.

وكان من عظيم ماهيأه أيضاً لأمة الإسلام أن أرسل على المشركين جنداً من الريح فقوضت خيامهم وخربت بنيانهم فلم تدع لهم قِدراً إلا كفأته ولا ظنباً إلا قلعته. وأرسل عليهم الملائكة فألقوا في قلوبهم الرعب والخوف. فلما بلغ الأمر مبلغه بقريش صاح فيهم أبو سفيان: يامعشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. فرد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً.

الخطبة الثانية

أما بعد. . .

فقد سمعتم أيها المؤمنون نبأ هذه الوقعة وخبر هذه الغزوة التي حوت آيات بينة ودروساً قيمة فدروس هذه الوقعة وعبرها كثيرة فسأشير إلى أهمها وأبرزها. .

فمن أهم دروس هذه الغزوة:

أن الله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا كما قال جل ذكره: ?إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا? (7) فالله سبحانه نعم المولى ونعم النصير يبتلي أولياءه ليميز الخبيث من الطيب فإذا تبين أهل محبته وأهل دينه وتميزت الصفوف جاءهم وعده ووقع خبره ?إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ? (8) . ومن دروس هذه الغزوة:

حسن بلاء النبي r وأصحابه حيث إنهم صبروا على ماقدره الله تعالى عليهم بقلوب ثابتة وعزائم راسخة فلم تستفزهم الكروب ولم تقعدهم الخطوب بل كانوا كلما اشتدت الكروب وادلهمت الخطوب زادهم ذلك إيماناً وتسليماً وتصديق ذلك في هذه الغزوة قوله تعالى: ?وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً? (9) .

ومن دروس هذه الغزوة:

أن المؤمنين إذا اجتهدوا في الدفاع عن دينهم وجهاد أعداء الله وأعداء رسوله وفعلوا قصارى طاقتهم في نصر الله ورسالته فإن الله سبحانه وتعالى يكرمهم بعون منه وتأييد فيصنع لهم ويهييء لهم من أسباب الغلبة والنصر ويبعث لهم من جنود العز والتمكين مالم يكن لهم على حساب ويؤيدهم بجند من عنده وما يعلم جنود ربك إلا هو فإذا صدقنا إيماننا وتمسكنا بديننا والتزمنا بنهج نبينا في كل أمورنا فلا يضرنا كيد الكائدين ولا مكر الماكرين. .

ومن دروس هذه الغزوة شدة عداوة اليهود للإسلام وأهله وأما نقضهم للعهود ونكثهم للمواثيق فهذه من أخص خصائصهم على مر العصور وكر الدهور، قال الله تعالى: ?أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ? (10) .

(1) الأحزاب: 10.

(2) أخرجه البخاري في المغازي من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه برقم 4101.

(3) أخرجه أحمد من حديث البراء بن عازب برقم 18219.

(4) الأحزاب: 10 -11.

(5) الأحزاب: 22.

(6) تاريخ الطبري 2/ 96.

(7) الحج: 38.

(8) غافر: 51.

(9) الأحزاب: 22.

(10) البقرة: 100.

الخطبة الأولى

أما بعد. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت