فهرس الكتاب

الصفحة 8762 من 9994

(8) أخرجه أحمد (3/112) ، والترمذي في: القدر، باب: ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن (2140) ، وأبو يعلى (6/35-3687) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال الترمذي:"وهذا حديث حسن". وصححه الحاكم (1/707) ، والضياء في المختارة (6/211) ، والألباني كما في المشكاة (102) .

(9) أخرجه البيهقي في الشعب (3/346) من قول وهيب بن الورد، ولم أقف عليه من قول علي رضي الله عنه.

(10) 10] مدارج السالكين (1/210) .

(11) صحيح مسلم كتاب: الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال (1164) ، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

(12) أخرجه البخاري في: الجهاد، باب: يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة (2996) من حديث أبي موسى رضي الله عنه بنحوه.

(13) أبو داود في: الصوم، باب: في صوم الثلاث من كل شهر (2449) ، والنسائي في: الصيام (2431) ، وابن ماجه في: الصيام، باب: ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كل شهر (1707) ، وأحمد (5/28) من حديث قتادة بن ملحان القيسي رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2139) .

أسامة بن عبد الله خياط

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-الثبات على الصراط المستقيم دليل رشد العبد. 2- دعاء النبي ربه بتثبيت قلبه على دينه. 3- ضرورة أهل هذا العصر إلى سؤال الله الثبات. 4- أسباب الثبات والسلامة من الزيغ.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله فتقوى الله خير زاد يصحب المرءَ في سيره إلى الله والدار الآخرة.

أيها المسلمون، إن الثبات على الطريق ولزومَ الجادَّة واتباعَ الصراط والحذرَ من اتباع السبل آيةُ رشد المرء، وبرهانُ نضجه، ودليلُ سداد رأيه. وإن أرفعَ مراتب الثبات وأعلى درجاته ثباتُ القلب على الحق، واستقامته على الدين، وسلامته من التقلب. ولذا كانت الخشية من الزيغ، شأنَ أولي الألباب ونهجَ أولي النهى وسبيل الراسخين في العلم، الذين يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويزدلفون إليه، يرجون رحمته ويخافون عذابه. وقد ذكر سبحانه تضرّعَهم وسؤالهم إياه التثبيتَ على الحق والسلامةَ من الزيغ في قوله عز اسمه: هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالراسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:7، 8] .

وإنه ـ يا عباد الله ـ لحسٌّ مرهَف وضراعة مخبتة، ألفت في هدي خير الورى ما يبعث على كمال العبرة، وتمام القدوة، وحسن التأسي، وصدق الاتباع. فهذه أمُّ سلمة رضي الله عنها تحدِّث أن رسول الله كان يكثر في دعائه أن يقول: (( اللهم مقلبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك ) )، قالت: قلت: يا رسول الله، وإنَّ القلوب لتتقلب؟! قال: (( نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا إن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله عز وجل أقامه، وإن شاء الله أزاغه ) )أخرجه أحمد في مسنده الترمذي في جامعه بإسناد صحيح (1) [1] . وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان رسول الله يكثر أن يقول: (( يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ) )، قال: فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، هل تخاف علينا؟ قال: (( نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلّبها كيف يشاء ) )أخرجه الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه بإسناد صحيح (2) [2] . وإذا كان صلوات الله وسلامه عليه قد خشي على هذه الثلة المؤمنة والطليعة الراشدة مع ما بلغت من رسوخ الإيمان وقوة اليقين وصدق العبودية، ومع أن قرنها خير القرون، كما جاء في الحديث المتفق على صحته (3) [3] ، فكيف بمن جاء بعدهم من أهل العصور؟! لا سيما من أهل هذا العصر، الذي أطلت فيه الفتن، وتتابعت على المسلمين، فأقبلت رايات الباطل، وخفقت ألوية الضلال مبهرَجة لامعة، وعصفت بالقلوب ريح الشبهات والشهوات، وفُتح على الناس من أبوابهما ما لا منتهى له، وانبعث سيل من المغريات المغوية فيما يُقرأ ويسمع ويُرى، وتوطَّدت سبلُ الغواية واستحكمت، واتخذت من فتنة الكاسيات العاريات المائلات المميلات وسائرِ الشهوات المحرمات عماداً ومحوراً، ودأب فريق من الناس على الاستهانة بالثوابت، والاستخفاف بالمحكمات، وكان من أقبح ذلك وأشده نكراً الطعن في القرآن وكماله، أو في بعض أحكامه، أو في الرسالة وختمها وعمومها وصلاحها للعالمين في كل حين، أو في الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وفي نجاح دعوته، أو في سنته وسيرته، إلى غير ذلك من اجْتراء يعزُّ نظيره ويندر مثيله، وراجت بين كثير من المسلمين بدع محدثة أُدخلت على الدين وليست منه، وأضحت في أعرافهم ديناً يُتعبَّد الله به، وقربى يزدلفون بها إليه، وجامعاً يجتمعون عليه، وذكت نار الفرقة والاختلاف واستعرت، حتى أوشك أن يذهب ضحيتَها الإخاء الإسلامي، وبلغ السيل الزبى باستباحة الدماء المحرمة، وقتل الأنفس المعصومة، اتباعا للظن والهوى، وإعراضاً عن وصية نبي الرحمة والهدى لأمته في حجة الوداع بقوله: (( فإن دماءَكم وأموالكم ـ وفي رواية: وأعراضكم ـ عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( اللهم، اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) )، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) )أخرجه البخاري في صحيحه (4) [4] .

فقرت بهذا الحال البئيس أعينُ أعداء الأمة، وطابت به نفوسهم, وبسطوا بالسوء ألسنتَهم.

وكل أولئك ـ يا عباد الله ـ مما تعظم به الخشية من الزيغ، وتتأكد معه الحاجة إلى تثبيت القلوب، ويستبين به عظم مقام هذا الدعاء النبوي الكريم، وشرفُ موضعه، وشدة الافتقار إلى اللهج به في كل حين.

ألا وإن للسلامة من الزيغ أسباباً تُرجى بفضل الله وبرحمته، منها صدق الإيمان وقوة اليقين، وإخلاص التوحيد لله، إذ لا سعادة ولا فوز ولا نجاة إلا بتحقيق التوحيد، والحذر من كل ما يضادّه ويناقضه.

ومن ذلك الاعتصام بالسنة، والحذر من البدعة، فإن كل بدعة ضلالة، كما بيَّن ذلك رسول الله في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه بقوله فيه: (( وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) )أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم بإسناد صحيح (5) [5] .

ومنها مبادرة الفتن بالأعمال، والإخلاصُ لله فيها، والاستدامة عليها، عملاً بالتوجيه النبوي الكريم بقوله: (( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) )أخرجه مسلم في الصحيح (6) [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت