لا تشكونّ إلى العباد فإنما………تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
أخي يا من أصابته المصيبة هذه آيات الله وأحاديث نبيك تحثك على الصبر، وتسليك في مصابك، فاحمد الله، وأحسن نيتك، واحتسب مصيبتك وارض بما قدر الله لك، فلعل لك عند الله منزلة لا تبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليك بحكمته بما تكره ويصبرك على ما يبتليك به حتى تبلغ تلك المنزلة العالية من الله، فاحمد الله وكن من الصابرين؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الحج 34-35] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم …
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي وعد الصابرين أجرهم بغير حساب، وأثاب الشاكرين على النعم بدوامها والازدياد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من غير شك ولا ارتياب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد الرسل، وخلاصة العباد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب وسلم تسليما.
أما بعد، فاتقوا الله تعالى أيها الناس واعلموا أن للصبر أقساما ذكرها العلماء، وهي ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله، التي يجريها إما مما لا قدرة للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء، والاعتداء. والصبر على طاعة الله أن يحبس الإنسان نفسه على العبادة، ويؤدّبها كما أمره الله تعالى وأن لا يتضجر منها، أو يتهاون بها، أو يدعها، فإن ذلك عنوان هلاكه وشقائه، ومتى علم العبد ثواب الله على هذه الطاعة، هان عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة ولله الحمد إذا أخلص الإنسان فيها لله واتبع رسوله، كانت بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والله يُضاعِف لمن يشاء، أما الصبر عن معصية الله فأن يحبس الإنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم الله عليه، مما يتعلق بحق الله أو حقوق عباده، ومتى علم العبد ما ينتظر العاصي من العقاب الدنيوي والأخروي، وأن ذلك مما يضر بدينه، ويضر بعاقبة أمره، فإن الذنوب عقوباتها قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم فمتى ما علم الفاعل ما يلقى من جزاء الذنوب، وجب عليه أن يدعها خوفا من علام الغيوب، وأما الصبر على أقدار الله فمعناه أن يستسلم الإنسان لما يقع عليه من البلاء والهموم والأمراض والأسقام، وإذا وقعت به مصيبة فلا يقابلها بالتسخط والتضجر، وأن يعلم أن هذا البلاء لنزوله أسباب وحكم، لا يعلمها إلا الله، وأن يعلم أن لدفعه ورفعه أسبابا، من أعظمها لجوؤه ودعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فهذه الأمراض التي أرسلها الله تعالى على عباده، إنما هي رحمة بهم ليرجعوا إليه، وليعرفوا أنه هو المتصرف بعباده كما يشاء، يقول تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] . هذه أقسام الصبر، ـ إخوة الإيمان ـ فمن حقق مقام الصبر ومقام الشكر، كمل بذلك إيمانه ونجا، ولذلك قال النبي: (( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) ) (11) [1] .
(1) صحيح البخاري (1469) ، صحيح مسلم (1053) .
(2) صحيح مسلم (918) .
(3) صحيح البخاري (5641) ، صحيح مسلم (2572 ـ 2573) .
(4) صحيح أخرجه الدارمي في سننه (1/53) .
(5) سنن ابن ماجه (1599) .
(6) مسند أحمد (3/184) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (148) .
(7) صحيح البخاري (5652) ، صحيح مسلم (2576) .
(8) صحيح مسلم (2999) .
(9) صحيح البخاري (1283) ، صحيح مسلم (926) .
(10) 10] أخرجه ابن ماجه (1601) وفي إسناده: قيس أبو عمارة مولى الأنصار. قال البخاري: فيه نظر. انظر مصباح الزجاجة، والسلسلة الضعيفة للألباني (610) .
(11) تقدم تخريجه قريبًا.
محمد بن صالح العثيمين
عنيزة
الجامع الكبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
-معنى الصبر - أنواع الصبر - ثواب الصابرين
الخطبة الأولى
أما بعد:أيها الناس اتقوا الله تعالى وكونوا مع الصابرين فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، والصبر حبس النفس على طاعة الله وحبسها عن معصية الله وحبسها عن التسخط من أقدار الله، وما أُعطي الإنسان عطاء خيرا وأوسع من الصبر فإذا صبر الإنسان نفسه على طاعة الله وثابر عليها صارت غريزة له وطبيعة يفرح بفعلها ويغتم لفقدها وإذا صبر نفسه عن المعصية تعودت ترك المعاصي وصارت المعاصي مكروهة لديه وبغيضة عنده يفرح بفقدها ويغتم لوجودها حتى يوفق للتوبة منها، وإذا صبر نفسه عن التسخط من أقدار الله صار راضيا مطمئنا بما قدره الله عليه إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له فالإنسان يصاب بمصيبة في نفسه ومصيبة في أهله ومصيبة في ماله ومصيبة في أصحابه ومصيبة في أنواع أخرى فإذا قابل هذه المصائب بالصبر وانتظار الفرج من الله صارت المصائب تكفيرا لسيئاته ورفعة في درجاته وقد وردت الآيات والأحاديث الكثيرة في ذلك فقال الله تعالى: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (( ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ) )وقال لامرأة من الصحابيات: (( أبشري فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد والفضة ) )وقال: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة ) )وقال: (( ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة ) )وقال: (( صداع المؤمن وشوكة يشاكها أو شيء يؤذيه يرفعه الله بها يوم القيامة درجة ويكفر عنه بها ذنوبه ) )الصداع وجع الرأس، وقال: (( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة ) )يريد عينيه، وقال: (( إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها ) )وقال: (( ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ) )وقال للنساء: (( ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار فقالت امرأة: واثنين فقال: واثنين ) ). فهذه الأحاديث وما ورد بمعناها بشرى للمؤمن يحتسب من أجلها المصائب التي يصيبه الله بها فيصبر عليها ويحتسب ثوابها عند الله ويعلم أن ذلك من عند الله تعالى وأن سببه من نفسه كما قال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير .
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن إذا ابتلي صبر وإذا أنعمت عليه شكر وإذا أذنب استغفر واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.
الصبر على الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
الخطبة الأولى
أما بعد: