فهرس الكتاب

الصفحة 7757 من 9994

وهكذا كان سادات الأولياء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين ضربوا أروع الأمثلة في الولاء والبراء، فقتل بعضهم أخاه وأباه، واستخفوا بكل القيم الأرضية، وبكل الدوافع الدنيوية، واستبدلوا بها رابطة الدين والعقيدة، وبمثل هذا فليعمل العاملون.

بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانيّة

الحمد لله الملك الحق المبين، مالك الملك رب العالمين، وأصلّي وأسلّم على الهادي البشير، والسراج المنير، بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

أما بعد:

أيها الأحبة في الله:

يظن أقوام إننا حين نتحدث عن الكفار ووجوب معاداتهم وبغضهم والبراءة منهم، يظن أولئك إننا نقصد اليهود النصارى فقط، أو إننا نقصد الهندوس، أو البوذيين ومن على شاكلتهم!.

والحق إننا نقصد الكفار جميعا، الأصلين منهم والمرتدين، فإنّ ثمّة أقوام ينتسبون إلى الإسلام زوراً وبهتاناً، يتسمون بأسمائنا ويسكنون بيننا، ويتحدّثون بلغتنا، وبعضهم أشد كفراً من اليهود والنصارى، فهناك الساخرون من شريعتنا، المنتقصون لنبينا عليه الصلاة والسلام.

وهناك علمانيون حاقدون.

وهناك حداثيون همجيون.

وهناك صوفيون خرافيون.

وهناك قبوريون وثنيون.

وهناك إباحيون متحررون.

وهناك من يترك الصلاة استخفافاً بها، أو جحوداً لوجوبها.

وهناك من يستحل الربا.

وهناك، وهناك... إلى آخر القائمة، تعددت الأسماء والكفر واحد.

فنحن نكفر بهؤلاء جميعاً، ولسان حالنا ومقالنا يردّد ما قاله الخليل عليه السلام لقومه المشركين: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) .

وأخيراً:

بقي أن تعرف - أيها الأخ الكريم - أنّ هناك من خلط عملاً صالحا وآخر سيئاً، وهم عصاة الموحدين، فهؤلاء يوالون بقدر استقامتهم وصلاحهم، ويُبغضون بقدر ما عندهم من الفساد والمعاصي.

فلتؤمن بذلك كله قولاً وعملاً تكن بإذن الله من المفلحين.

اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب.

اللهم إنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي شرع القدوة بالمهتدين، وجعل في هذه الأمة جموعاً من الأخيار والصالحين، والزهاد والمتعبدين، من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب العالمين، وإله الأولين والآخرين.

وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، إمام المتقين وخاتم النبيين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن سلك سبيلهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين،

أما بعد:

أيها المسلمون:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها الفلاح والفوز والنجاة والعز.

ألا إنما التقوى هي العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الذل والسقم

وليس على عبدٍ تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجمٌ

أيها الإخوة في الله:

تأريخنا الإسلامي تأريخٌ عظيم، حافلٌ بأخبار المصلحين العظماء، والشجعان النبلاء، والأخيار الفضلاء، والهداة العاملين، الذين غيّروا مجرى التأريخ بأفعالهم وجهادهم، وزهدهم وصلاحهم، فنعم السلف هم: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) .

هم الذين صاغوا تاريخ الأمة المسلمة، فصارت تفاخر أمم الأرض بأمجادها وعدلها وفتوحاتها وفضلها.

وانظر - رعاك الله - إلى الأمجاد والمفاخر، والعدل والزهد والوفاء والصدق، والجهاد الحق، منذ سطعت شمس الرسالة، وبُعث الصادق الأمين خاتم النبيين صلى الله عليه وسلّم، ومروراً بصحابته الغر الميامين، إلى التابعين الأكرمين إلى تابعيهم بإحسان. فإنك ستقف على نماذج رائعة وصور حية للالتزام الحقيقي بهذا الدين والعمل له ضمن حياة طيبة، بعيدة عن مظاهر الترف وزخرف الحياة، فكان لهذا المنهج الذي سلكه أولئك العظماء أثره الواضح على صلاح الناس من حولهم، إذ الناس تبعٌ لعظمائهم.

ومن هنا كان النظر في سير الصالحين والاطلاع على أخبارهم مما يزكي النفس، ويوقظ الضمير، ويحفز الهمم، ويبعث على النهوض بمعالي الأمور، لذا آثرت أن يكون حديثي في هذه الجمعة عن إمام من أئمة الهدى رجلٌ جُمُع في أُمّةٍ:

والناس ألفٌ منهم كواحد ... وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنى

إنّه إمام الهدى الزاهد، والخليفة الراشد: عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي.

قال عنه إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله:"إذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز، ويذكرُ محاسنه وينشرها، فاعلم أن من وراء ذلك خيراً إن شاء الله".

وقال الحافظ ابن حجر في كتابه [فتح الباري شرح صحيح البخاري] عند شرح قوله صلى الله عليه وسلّم:"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدّد لها دينها". قال:"لا يلزم أن جميع خصال الخير كُلِّها في شخص واحد، إلا أن يُدّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثَمَّ أطلق الإمام أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه". أ. هـ

لقد أطنب العلماء والمؤرخون في الثناء على عمر بن عبد العزيز وذكر محاسنه، فوصفه الحافظ الذهبي، فكان مما قال عنه:"كان ثقةً مأموناً، له فقه وعلم وورع، وروى حديثاً كثيراً، وكان إمام عدل، رحمه الله ورضي عنه". [سير أعلام النبلاء 5/ 114] .

كان الخوف من الله مقارناً له في صغره، فقد حفظ وهو غلام صغير، وفي يوم من الأيام بكى فسألته أمه عن سبب بكائه فقال:"ذكرت الموت فبكيت".

كان صادق اللهجة يقول:"ما كذبتُ منذ علمتُ أن الكذب يَضُرُّ أهله".

وقد - رحمه الله - طلب العلم والفقه في الدين حتى صار إماماً، ثم وُلّي إمارة المدينة وهو في ذلك الوقت شابٌ غليظ ممتلئ الجسم، يلبس أحسن الثياب، ويتطيب بأطيب الطيب.

فلما وُلّي الخلافة نحل جسمه وتغيرت حاله، رآه بعضهم يطوف بالكعبة [قبل الخلافة] وإنّ حُجْزة إزاره لغائبة في ثنايا بطنه من السمن. يقول:"ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسّها لفعلت". [الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز 1/367] .

وذات مرة دخل عليه محمد بن كعب القرظي بعد ما تولى الخلافة يقول:"فجعلت أنظر إليه نظراً لا أكاد أصرف بصري عنه، فقال: ما لك يا ابن كعب؟! فقلت: أعجب من تغير جسمك وتبدّل حالك. فقال: فكيف لو رأيتني يا ابن كعب في قبري بعد ثلاث ليال، حين تقع حدقة عيني على وجنتي، ويسيل منخري وفمي صديداً ودوداً، كنت لي أَشد إنكاراً".

إنه استشعار المسؤولية التي أسندت إليه - رحمة الله عليه - لقد زان الخلافة وما زانته، بل لقد وُلّي وهو للخلافة كاره، فسار بالناس بسيرة جده لأمه الفاروق عمر رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت