ولما دُفِنَ الخليفةُ السابق [سليمان بن عبد الملك] قُرّبت مراكبُ الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال: ما لي ولها، نحّوها عنّي، وقربوا إلي دابتي، فركب دابته، وسار، وسار معه الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال:"أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلفتُ ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فلما رأى ذلك: حمد الله وأثنى عليه، وصلىّ على النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلفٌ من كل شيء وليس من تقوى الله عز وجل خلف، واعملوا لأخرتكم، فإنه من عمل لأخرته كفاه الله أمر دنياه، واصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنّه هادم اللذات، وإن عبداً ليس بينه وبين آدم أبٌ إلا قد مات لمعرقٌ له في الموت."
ألا وإني لستُ بخير من أحدٍ منكم ولكني أثقلكم حملاً". [ سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي 65-66 ] "
ثم شرع يردّ المظالم التي كانت قبل ولايته، فبدأ بأقاربه من بني أميه، فأخذ ما استولوا عليه ظلماً، وما أخذوه بغير حق، ففزعوا من هذا التصرّف وأرسلوا إليه أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئاً.
قال وهيب بن الورد:"اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز، وجاء ابنه ليدخل عليه، فقالوا له: إما أن تستأذن لنا وإما أن تبلِّغ أمير المؤمنين ما جئنا من أجله، فقال لهم قولوا. فقالوا: إن من كان قبله من الخلفاء يعطوننا ويعرفون لنا موضعاً، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه. فدخل على أبيه عمر فأخبره بقولهم، فقال له عمر: قل لهم إنَّ أبي يقول لكم: (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ".
ولقد كان لأقاربه الحظ الأوفر من الوعظ والنصح والتذكير، ولنستمع إلى رسالة بعث بها عمر رحمه الله إلى بعض أهل بيته يقول:
"أما بعد، فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك ونهارك بَغَّضَ إليك كل فانٍ، وحَبّب إليك كل باقٍ، والسلام".
لقد غلب على قلب عمر بن عبد العزيز الخوف من الله، فكان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله، وكان يجمع كُلَّ ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون.
حدّثت زوجته فاطمة بنت عبد الملك فقالت:"قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصياماً منه، ولكني لم أر رجلاً من الناس كان أشد خوفاً من ربه من عمر، كان إذا صلّى العشاء دخل بيته فقد يكون معي في الفراش فيخطر على قلبه الشيء من أمر الله فينتفض كما ينتفض العصفور قد وقع في الماء ثم ينشج ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول: لتخرجن روحه التي بين جنبيه وتدركني الرحمة له فأطرح اللحاف عني وعنه وأنا أقول: ما رأيت سروراً منذ كنا في هذه الخلافة يا ليت بيننا وبينها بعد المشرقين. فكان يقول: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوماً دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي".
فيا أيها المسلمون:
ما ذا نقول عن أحوالنا اليوم، فالله المستعان على تفريطنا وعصياننا.
إنّ أسلافنا جمعوا بين الخوف وحسن العمل ونحن جمعنا بين التفريط والأمن، لقد فارق الخوف من الله قلوباً ففسدت، وما فارق الخوف من الله قلباً إلا خرب.
فبعضنا استحل المال الحرام من الربا والرشوة وشهادة الزور، وأضاع جمعٌ من الناس الصلاة واتبعوا الشهوات، وصارت حياتهم للأفلام والقنوات، والرياضة والمجلات، ولم يستجب كثيرٌ منهم للناصحين، واستحكمت غربة الدين واتُخذ القرآن مهجوراً. ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
أيها المسلمون:
لقد ربّى عمر بن عبد العزيز أهل بيته على التقوى والخوف من الله وقرب الدمعة من خشية الله سبحانه. قرأ عنده رجل قول الله عز وجل عن النار: (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً {12} وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) فبكى عمر حتى غلبه البكاء، وعلا نشيجه، فقام من مجلسه، فدخل بيته وتفرّق الناس.
وذات يوم كان جالساً في البيت فبكى، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلّت عنهم العبرة قالت فاطمة:"بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟! قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله عز وجل فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير".
أيها المسلمون:
إننا إذا استشعرنا هذه المواقف كما استشعارها هذا الرجل الصالح لاستقامت أحوالنا، ولتعدّل سلوكنا، ولقمنا بما أوجب الله علينا، ولأدّينا الأمانة كما حملناها.
تقول فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز:"دخلت على عمر، فإذا هو في مصلاه، يده على خده، ودموعه سائلة، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما بك؟! أشيء حدث؟!"
قال: يا فاطمة! إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت"."
وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يوماً جالساً في شرفة له في يوم بارد إذ أقبلت امرأة من العراق على حمار لها حتى وقفت عليهم وفيهم عمر فقالت: أريد رحل أمير المؤمنين، فأشرنا لها إلى دار عمر ولو قالت: أريد أمير المؤمنين لأشرنا لها إليه، فمضت فإذا هي بدار مهشمة لا علالي لها ولا أسافل، وعلى بابها شيء من مسوح إلى نصف الباب، وإذا شيخ قاعد فقالت له: يا هذا إني أريد امرأة أمير المؤمنين فاطمة. فقال لها الشيخ: ادخلي عليها يرحمك الله. قالت: وما لها من حاجب؟! قال: لا. قال: فدخلت عليها فإذا هي بفاطمة قاعدة تغزل، وإذا ليس في بيتها شيء إلا حصير، وسرير عليه فراش، ليس في البيت شيء غيره، فاسترجعت المرأة.
فقالت فاطمة: أفزعت مالك يا أمة الله؟! قالت: ضربت مسافة شهر إلى بيت من بيوت الفقراء. فقالت لها: هوّني عليك فإن فقر هذا البيت هو الذي عمّر بيوت المسلمين. قال: فجلست إليها فتحدثتا ملياً، وإنها لتسائلها إذ دخل عمر وعليه قميص غليظ إلى نصف ساقيه ورداء قطواني غليظ، وفي الدار شيء من طين قليل قد بُلَّ لبعض ما تحتاج إليه، فأقبل عمر حتى دنا من البئر فمتح دلواً فصب في ذلك الطين وجعل يكثر الالتفات إلى البيت الذي فيه فاطمة وهي حاسر فقالت لها المرأة: أيتها المرأة المسلمة غطِّي شعرك فإن هذا الطيان يكثر اللحظ إلى ناحيتك. قالت لها فاطمة: يرحمك الله ليس هذا بِطَيَّان هذا أمير المؤمنين الذي جئت في طلبه تضربين إليه من العراق"."
ودخل عمر على فاطمة فقال:"يا فاطمة هل غديت ضيفك؟! قالت: لا. قال: سبحان الله هلم لها ما عندك. فأتتها بغداء."