ثم قام عمر إلى قفة معلقة في مضجعه أو مسجده فإذا فيها عناقيد من عنب فجعل ينتقي لها صحاحه ويطعمها، ثم قال: حاجتك يا أمة الله؟! فقالت: يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك عليَّ ثماني بنات كُسُد كُسُل. قال عمر: هلك زوجك وترك ثماني بنات كُسُد كُسُل، وبكى عمر حتى اخضلت لحيته، فلما رأت المرأة رقته جعلت تزيده، وجعل يخور كما يخور الثور. قالت لها فاطمة: يا أمة الله كفى عن الرجل فقد خلعت قلبه. فلما استفاق قال: حاجتك يا أمة الله؟! فقالت: تفرض لهن في الذرية. فقال: أما كلهن فلا، ولكن أثبت لك واحدة، ثم سألها عن اسم الكبرى قالت: فقلت: فلانة. قال: قد أثبتُّها. فقالت: الحمد لله رب العالمين.
فقال سمي التي تليها. فسمتها. فأثبتها. فقالت المرأة الحمد لله رب العالمين. ثم قال: سمي التي تليها. فسمتها. فأثبتها. فقالت الحمد لله رب العالمين. فأثبت لها سبعاً كلما حمدت الله أثبت حتى قالت: جزى الله أمير المؤمنين خيراً. فألقى الكتاب من يده وقال: والله لو كن ألفاً لأثبتُّهن ما أدمت الحمد لله، فمري هؤلاء السبع فليواسين الثامنة، ثم كتب لها بذلك إلى عبد الحميد. ثم أحضر كيساً ففتحه وإذا فيه عشرون ديناراً، وقال: والله ما بقي لعمر ولا لعيال عمر من عطائه في سنته هذه إلا ما ترين، قال: فقاسمها إياه.
قال: فقدمت المرأة العراق فوجدت الناس يتناعون عمر، فجاءت القصر فوجدت عبد الحميد جالساً والناس حوله يعزونه وهو يبكي، فتخطت الناس حتى وصلت إليه، ودفعت الكتاب إليه فأخذه بيده وجعل يقبله، ثم قرأه وقال: والله لئن أنفذت كتابه حياً لأنفذنه ميتاً، ثم دعا بالمال وحسب لها ما لها، ووفاها على التمام". [الكتاب الجامع 1/ 156] ."
أمَّا عدل عمر بن عبد العزيز ومحاسبته للعمال والولاة فمضرب المثل في إخضاعهم للحق، كتب إلى أحدهم يقول له:"أما بعد فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله تعالى عليك... واعلم أنّ من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عَدَّ كلامه من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما ينفعه والسلام". [ سير أعلام النبلاء 5/ 133] .
وقال ميمون بن مهران:"وَلاّني عمر بن عبد العزيز ولايةً ثم قال لي: إذا جاءك كتابٌ مني على غير الحق فاضرب به الأرض".
وكتب إليه أحد الولاة يقول:"إن عندي رجالاً قد أخذوا أموالاً بغير حق، ولا أستطيع أن أخرجها إلا أن أمسّهم بشيء من عذاب، فإن رأى أمير المؤمنين - أصلحه الله - أن يأذن لي في ذلك أفعل."
فأجابه عمر أما بعد:"فإن العجب كل العجب في استئذانك إياي في عذاب بشر، كأني لك جنة، وكأن رضاي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل، فانظر من قامت عليه البينة، ومن أقرَّ لك بشيء فخذه بما أقرَّ به، ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم وخل سبيله. وأيم الله لأن يلقوا الله عز وجل بخياناتهم أحبُّ إليَّ من ألقى الله عز وجل بدمائهم والسلام". [ سيرة عمر للآجري صفـ 78 ـحة ]
أمورٌ مشرقة من العدل والرحمة والفقه والعقل في حياة هذا الصالح رحمه الله.
اللهم هب لنا قلوباً واعية تسمع الوعظ فتنتفع.
اللهم وفقنا لإصلاح أنفسنا وأهلنا، واجعل نصيبنا من سماع أخبار الصالحين الاقتداء والعمل، والأجر والمثوبة.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) .
بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً،
أما بعد:
فلقد كان عمر بن عبد العزيز مع علمه وفضله وعدله وورعه خطيباً مؤثراً، فإذا وعظ وخطب أخذ بمجامع القلوب لجزالة لفظه، وحسن حديثه، فيبكي ويُبكي. قال في خطبة له:
"فإن الله عز وجل لم يخلقكم عبثاً، ولم يدع شيئاً من أمركم سُدى، وإنّ لكم معاداً ينزل الله عز وجل فيه للحكم والقضاء بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، فاشترى قليلاً بكثير وفانياً بباق، وخوفاً بأمان."
ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين.
في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله عز وجل قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتغيبونه في بطن صدع من الأرض غير ممهد ولا موسّد، قد فارق الأحباب وواجه التراب وعاين الحساب، فهو مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدّم، فاتقوا الله قبل نزول الموت بكم.
والله إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي، ولكنها سننٌ من الله عادلة أمر فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيته، واستغفر الله"."
ووضع كمه على وجهه فبكى وبكى الناس، فكانت آخر خطبة له، رحمه الله.
وحين دنا أجله وقرب موته قيل له:"يا أمير المؤمنين: هؤلاء بنوك - وكانوا اثني عشر - ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء، فقال: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) . والله لا أعطيهم حق أحد، وهم بين رجلين إما صالح فالله ولي الصالحين وإما غير صالح فما كنت لأعينه على معصية الله، ثم دعا بهم فادخلوا عليه، وكان معظمهم صغاراً فنظر إليهم، فذرفت عيناه بالدموع وقال: بنفسي الفتية، أقفرت أفواهكم من هذا المال."
أي بني، إن أباكم نظر بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم.
فلما نزل به الموت قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم قال: إني لأرى حضوراً ما هم بأنس ولا جن - وقال لأهله - اخرجوا عني، فخرجوا وجلسوا عند الباب، فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه ثم تلا قول الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) .
ثم هدأ الصوت فدخلوا عليه فإذا هو قد مات وقد غمض عينيه، ووجه إلى القبلة، رحمه الله رحمة واسعة، فلقد ليّن من الناس قلوباً قاسية، وردّ الحق إلى نصابه، وأقام العدل مع الدين والزهد والورع، وزرع الله له في القلوب مودة، وأبقى له في الصالحين ذكرا"ً."
وبعد أيها الإخوة:
فلقد سمعنا شيئاً من أخبار هذا العبد الصالح، وما هو إلا بشرٌ مثلكم، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، فلا ينبغي أن يكون حظنا من ذلك مجرد السماع دون الانتفاع، بل علينا أن نقتدي بأسلافنا في مجاهدة أنفسنا وتربيتها على مراقبة الله سبحانه والخوف منه، والقيام بما حملنا من أمانات ومسئوليات:"فالرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته".
أيها المسلمون، أيها الشباب:
ارجعوا إلى مآثر أسلافكم، وانظروا في أخبار الصالحين، فإنكم ستجدون عزة الإسلام وسوف تتلذذون بحلاوة الإيمان.
وإياكم ثم إياكم أن تغتروا بموجات التغريب، وفتن الشهوات المضلة، والشبهات المردية.