فيا أيها المؤمنون إن من ألوان التشبه التي وقع فيها بعض المسلمين: متابعة الكفار في أعيادهم ومناسباتهم الدينية والدنيوية كأعياد الميلاد والأعياد الوطنية والاحتفالات والمناسبات المتكررة التي تأخذ يوماً في السنة كعيد الأم أو عيد العمال أو عيد ميلاد المسيح أو عيد رأس السنة من المحدثات والمبتدعات ولا شك أن تقليدهم في أعيادهم وخصها بشيء من الأفعال يجمع سوءتين: الأولى: أن هذا من التشبه الذي دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء على تحريمه . والسوءة الثانية: أن في هذا إحداثاً وابتداعاً فالأعياد شريعة من الشرائع يجب فيها الاتباع لا الابتداع وقد شرع الله لنا أمة الإسلام من الأعياد ما فيه غنية وكفاية عن أعياد أهل الكفر . ومما ورد في النهي عن أعيادهم وعن شهودها قوله تعالى في وصف عباده المؤمنين: ?والذين لا يشهدون الزور? (17) وقد فسر كثير من أهل العلم الزور في الآية بأنه أعياد المشركين والكفار وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتفال بأعياد الكفار فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: (( ما هذان اليومان ؟ ) )قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية . فقال: (( إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر ) ) (18) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح . وقد نهى الصحابة عن حضور أعياد الكفار وأمروا باجتنابها فعن عمر رضي الله عنه قال: (( اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم ) )وعنه: (( لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم ) )رواه البيهقي بإسناد جيد والآثار عن السلف في النهي عن أعيادهم كثيرة فالواجب علينا تجنبها والتحذير منها وعدم إعانتهم على إظهارها والاحتفال بها كما يفعله بعض أصحاب المؤسسات والشركات من إقامة بعض الحفلات أو إعطاء موظفيهم وعمالهم إجازات وغير ذلك . كما يجب أن نعلم أنه لا يجوز لنا تهنئتهم بأعيادهم فإن هذا من الذنوب الكبار قال ابن القيم رحمه الله:"وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام باتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك ، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج المحرم ونحوه وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه" (19) فعلينا التعاون جميعاً لإغلاق أبواب الشر واجتنابها .
(1) سورة: المائدة: آية ( 48)
(2) سورة: المائدة:آية ( 49)
(3) سورة: الأحزاب:آية ( 1)
(4) سورة: المائدة: آية (51)
(5) أخرجه: أحمد ( 5093 ، 5094) ، وأبو داود ( 4031) من طريق عبدالرحمن بن ثابت ثنا حسان بن عطية عن منيب الجرشي عن ابن عمر.
(6) أخرجه: الترمذي ( 2695) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه ابن لهيعة لكن له شواهد يتقوى بها ، وحسنه الألباني .
(7) أخرجه: أبو داود ( 652) من حديث يعلي بن شداد بن أوس عن أبيه وهو صحيح .
(8) أخرجه: البخاري ( 3462 ) ، ومسلم ( 2103) .
(9) مسلم ( 259) .
(10) أخرجه: أبو داود (2353) بإسناد حسن لأجل محمد بن عمرو الليثي .
(11) البخاري: (7320)
(12) أخرجه: أحمد ( 5093 ، 5094) ، وأبو داود ( 4031) من طريق عبدالرحمن بن ثابت ثنا حسان بن عطية عن منيب الجرشي عن ابن عمر .
(13) سورة: المنافقون (8)
(14) سورة: آل عمران (139)
(15) البخاري (2409) ، ومسلم ( 1829) .
(16) سورة: التحريم: آية (6)
(17) سورة: الفرقان: (72)
(18) أخرجه: أحمد ( 13210) ، وأبو داود ( 1134) ، والنسائي ( 1556) من طريق حميد عن أنس .
(19) أحكام أهل الذمة ( 1/205 ـ 206)
الخطبة الأولى
أما بعد. .
يا أيها المؤمنون اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن هذه أمتكم أمة واحدة والله ربكم فاعبدوه واتقوه عباد الله، أيها المؤمنون إن الله تعالى جعل المؤمنين على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وتباين أحوالهم وأنسابهم جعلهم إخوة في الدين كما قال جل وعلا: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ? (1) وهذا يدل على أن المؤمنين مأمورون بكل ما يوجب تآلف قلوبهم واجتماع كلمتهم وأنهم منهيون عن كل ما يوجب تفرق جماعتهم وتنافر قلوبهم واختلاف كلمتهم قال تعالى: ?إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ? (2) وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وكونوا عباد الله إخواناً ) ) (3) وفي هذا الحديث حث المؤمنين على اكتساب ما يصيرون به إخواناً متآلفين متعاطفين متراحمين وقد أكد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في كثير من الأحاديث ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالحمى والسهر ) ) (4) وفيهما عن أبي موسى مرفوعاً: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) ) (5) .
أيها المؤمنون: إن من أعظم ما جاءت به الشريعة الإسلامية المطهرة الألفة والاجتماع فنهى الله تعالى ورسوله عن كل ما يؤدي إلى الفرقة والبغضاء وأمر بكل ما تحصل به الألفة والصفاء فشرع لكم من الدين ما تجتمع به قلوبكم ويلتئم به شعثكم وتلتقي به أفئدتكم فشرع لبعضكم على بعض حقوقاً ثابتة وفرائض لازمة فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس ) ) (6) وهذا الحديث أصل في بيان حق المسلم على أخيه المسلم فمن حق المسلم على أخيه المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ) ) (7) متفق عليه وعلى المسلم عليه أن يرد السلام بجواب مسموع يكون مثل سلامه أو خيراً منه قال الله تعالى: ?وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا? (8) .
أيها المؤمنون: إن من حق المسلم على أخيه المسلم النصيحة له، فإن الدين النصيحة وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: (( بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم ) ) (9) والنصيحة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم حقاً للمسلم على المسلم هي إرشاد المسلمين إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص والشفقة عليهم والرحمة لهم وأن يدلهم على كل خير يعلمه لهم وأن يحذرهم من كل شر يعلمه لهم.
أيها المؤمنون: إن من حق المسلم على المسلم محبة الخير له وسلامة الصدر له ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ) ) (10) وقد امتدح الله المؤمنين الصادقين بذلك فقال: ?وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ? (11) .