فهرس الكتاب

الصفحة 9662 من 9994

ومع هذا الكم الكبير من النصوص الدالة على النهي عن مشابهة الكفار وتقليدهم ومتابعتهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن مشابهة الكفار ومتابعتهم ستقع في الأمة فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم . قلنا: يا رسول الله ! اليهود والنصارى ؟ قال: فمن ؟ ) ) (11) وها هي الأمة اليوم تحاكي أمم الكفر من الشرق والغرب في الزي واللباس وتتشبه بهم في آداب الأكل والشرب وأساليب المعاشرة والمخالطة وطرائق الكلام والمعاملة وغير ذلك وتتلقى عنهم الأفكار والآراء والقيم والمفاهيم والنظم حتى صاغ فئام من الأمة حياتهم وأفكارهم على أساليب الحياة الغربية الكافرة ،وصدق فيهم قول الأول:

ضاعت معالم عزة وتحطمت فينا الكرامة واستبيح الدار

وتبدلت أخلاقنا وطباعنا وتساوت الحسنات والأوزار

وقد سلمنا الله في هذه الجزيرة من التشبه بالكفار فترة طويلة من الزمن إلى أن انفتحت علينا الدنيا واختلطنا بالكفار وانبهر بعضنا بما عند الغرب من مظاهر الحضارة والتقدم فبدت معالم التشبه والتبعية لأمم الكفر تظهر في حياة الناس وواقع المجتمع ، فرأينا من رجالنا ونسائنا وصغارنا وكبارنا من جعل الغرب وما فيه قدوة له يتلقف عنهم أحدث الموضات وآخر التقليعات في اللباس والزي والأكل والشرب وتصفيف الشعر وتسريحه بل وفي الفكر والرأي فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ونحن ما زلنا في أوائل هذا الدهليز المظلم الذي مآله غياب الدين وزوال معالمه ،ولا شك أن هذا الأمر خطير يجب المسارعة في تلافيه وتوعية الأمة بخطورته والبحث عن أسبابه والتحذير منها فإنه (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) (12) قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"ومن تشبه بالإفرنج في لباسهم وأخلاقهم ونظمهم ومعاملاتهم فهو بلا شك أفرنجي غير مسلم وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ."

أيها المؤمنون ! إن هذه الأزمة التي تعاني منها الأمة لها أسباب عديدة أذكر بعضها لنستعين بمعرفتها على إزالتها ، فمن أهم أسباب فشو التشبه والتقليد للكفار بين المسلمين هو عدم الجدية في التمسك بالكتاب والسنة اللذين هما مصدر العز ومنبع الكرامة فعزة أمتنا مستمدة من عزة ربها القوي العزيز فكلما تمسكت الأمة بعبوديتها لله تعالى وبهدي نبيها صلى الله عليه وسلم سمت وعزت وارتفعت وعلت قال الله تعالى: ? ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ? (13) ولا يرفع هذه العزة تأخر حضاري ولا تراجع علمي ولا انكسار عسكري بل نحن الأعزاء بالله إذا كنا مؤمنين . قال الله تعالى: ? ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ? (14)

ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

ومن أسباب شيوع التشبه في الأمة انفتاحنا على الكفار وانفتاحهم علينا ، أما انفتاحنا عليهم فذلك من خلال سفر كثير من المسلمين إلى بلاد الكفار للسياحة أو التجارة أو غير ذلك من الأسباب وغالب الذين يسافرون لا يكون معهم من العلم والإيمان ما يدفعون به الشبهات أو الشهوات فيقع كثير من هؤلاء في أنواع من الفتن ليس أقلها تقليدهم والتشبه بهم . ومن انفتاحنا عليهم:إقبالنا على ما يصدر عنهم عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فالدشوش وقنوات البث المباشر وغيرها تستقبل ما ترمي به وسائل إعلامهم من برامج الكفر والفساد والإباحية والإلحاد وقراؤنا يتلقفون ما يصدر من مجلاتهم ومطبوعاتهم التي تروج عبادتهم وأفكارهم وأخلاقهم ونساؤنا مأسورات لما تصدره دور الأزياء الغربية الكافرة من موديلات وتصميمات .

وأما انفتاحهم علينا: فهذا العدد المريع من الكفار الذين يعيشون بين ظهرانينا في بيوتنا وأسواقنا ومتاجرنا ومكاتبنا والذين لهم تأثير بالغ في بث أخلاقهم وإشاعة عقائدهم ونشر أفكارهم وكلنا مسؤول عن وجود هؤلاء بيننا فالمستقدم مسؤول والمرخص له مسؤول والمتعامل معهم مسؤول (( وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ) (15) .

ومن أسباب هذه الأزمة المعضلة: أن أولياء الأمور في غيبة عن تربية أولادهم وأهليهم ومن جعلهم الله تحت أيديهم وهم في ذهول عن حفظهم والقيام بحقوقهم الدينية التي تنطلق من قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ? (16) فالواجب علينا أن نتفقد أولادنا وأهلينا وأن نلاحظ تصرفاتهم وأن نبعد عنهم كل وسائل الإفساد والتغريب .

رزقنا الله وإياكم اجتناب أسباب الردى والأخذ بما فيه الفوز بالآخرة والأولى ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

أما بعد. . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت