إنه الإيثار لما عند الله, والحماسة لهذا الدين, والإخلاص لنصرته, لذا لم يكن استعصاء بعير أبي ذر يحتاج منه إلى مراجعة حساباته لينظر أينطلق إلى تبوك أم يعود إلى المدينة ؟ وأمَّا العامل الرابع: من عوامل نجاحهم في حمل الإسلام وإبلاغه للناس كافة: فهو شجاعة القلب, ورباطة الجأش, لن نذكر خالداً و بسالته, ولا الزبير وصلابته, ولا المقداد وصولته, ولا سعداً وجولاته, ولكن أسماء المرأة الضعيفة البنية, الكفيفة البصر, نذكر أسماء في موقفها مع الحجاج يوم قتل ابنها, و صلبه على جدار الكعبة, فأرسل إليها لتأتي فامتنعت, فأرسل إليها ثانية لتأتي أو لأبعثن من يسحبك من قرونك, فقالت: لستُ آتيةً وليبعث يسحبني من قروني, فجاءها الفاجر بنفسه, فدخل عليها فقال كيف رأيتني صنعتُ بعبد الله- يقصد ابنها- قالت: أرى أنك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك, أما إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخبرنا أنه سيكون في ثقيف دجال ومبير, أما الدجال فقد عرفناه, و أما المبير فلا أخاله إلا أنت, فانصرف خاسئاً وهو حسير, أما الدجل فقد عرفناه, وأما المبير فلا أخاله إلا أنت تقوله لمن ؟ لرجل لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه ولا الشفقة سبيلاً إلى فؤاده, وبمثل هذه الشجاعة كانت كلمة الحق ترفرف في العلياء, لا يخاف قائلها في الله لومة لائم, أيها المسلمون: وإن من أسرار نجاحهم, و عوامل انتصارهم, تلك الروح الجماعية في الأداء, فقد كانوا أشبه ما يكونون بفريق عملٍ موحد, لا يجد أحدهم أدنى عضاضة بأن يعمل في أي موقع يوجه إليه, ما دام يشعر بأنه يخدم دينه و عقيدته, استعمل أبو بكر عمرو بن العاص على صدقات قضاعة, ثم كتب إليه يستنفره إلى الشام, فقال إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه و سلم, و قد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك و معادك, إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك ؟ فكتب إليه عمرو رضي الله عنه ولعن من لعنه, إني سهم من سهام الإسلام, وأنت عبد الله الرامي بها و الجامع لها, فانظر أشدها وأخشاها فارم بي فيها, سبحانك إلهي! أي رجال هؤلاء, إن عمرواً لا يرى نفسه إلا مجرد سهمٍ في كنانة الإسلام, يرمى بالسهم أنى تكون مصلحة الإسلام, و أبلغ من موقف عمرو موقف خالد يوم كتب إليه عمر يأمره بتسليم قيادة الجيش لأبي عبيد ة, مع أن سيفه لا يزال يقطرُ من دماء الروم النجسة فيسلمها أبا عبيد ة بكل تواضع, ويعود جنديا بين الجنود استغفر الله! بل أسدا ضمن الأسود, فلم تكن المناصب تحرك شعرةً في رؤوسهم, أوتساوي بعرة في نفوسهم, فقد تركوها يتطاحن عليها الفارغون, وطاروا إلى الجنة بمنصب خدمة الإسلام, و لُقبوا عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
أحبتنا الكرام: فإننا اليوم في مرحلةٍ ينبغي أن نتجاوز فيها مهزلة توزيع المسئوليات, وتقسيم الواجبات على الآخرين, في مقابل الفرجة التامة, والعزلة الكاملة, فإن ثمة أقواماً يجيدون اللوم وإلقاء التبعة على الآخرين, أما هم فقد حازوا شهادة براءةٍ وصكوك غفرانٍ, فلا عليهم بعد ذلك أن يقبعوا في جحورهم, ويركنوا في زوايا هم دون عمل شيء لخدمة الإسلام, لقد حقق أسلافنا المعجزات, وقهروا المعضلات بقوة عزائمهم, وحسن توكلهم, و شدة بأسهم, وجماعية أدائهم, ونحن اليوم قادرون على إعادة الكرة بإذن الله, و تحقيق المعجزة بحول الله متى تشبهنا بأولئك الأخيار, واقتفينا آثارهم, والله يقول: (( وكان حقاً علينا نصرة المؤمنين ) ).
وليس نصرة الصحابة فقط, و لقد تحقق بعون الله وكرمه على يد هذا الجيل, من علماء الإسلام و دعاته, و شبابه الطيبين, ما لم يتحقق منذ أجيالٍ عدة, وذلك كله يؤكد أنه مهما ضعفت الإمكانيات, وكثرت المشقات, ومهما احلولك الظلام, فإن ما تقر به عيون المخلصين حاصلٌ لا محالة, متى وجد الإخلاصُ, وتواصل العطاءُ, إنك أخي المسلم بيدك أن تصنع الكثير لتدفع عجلة الصحوة إلى الأمام, من خلال تربية أبنائك, من خلال منا صحة جارك, من خلال دفع كتابٍ أو شريط, من خلال إيصال فكرة إلى محاضر أو خطيب, من خلال القدوة الحسنة, والكلمة الطيبة, من خلال الإحسان للآخرين, من خلال تعاهد الأرامل والمساكين, وتفقد اليتامى والمحتاجين, من خلال زيارة المريض, وإكرام الضيف وإجابة الدعوة, أخي بيدك أن تصنع الكثير حتى وإن تلبست ببعض المخالفات, ووقعت في بعض التجاوزات, فحذاري أن تستجيب لنزغات الشيطان, وحذاري أن يخدعك بمكره الخبيث, فيقول لك أنت مقصر, و أنت عاص, وأنت تفعل كذا و كذا, وتترك كذا و كذا, كلا يرحمك الله! بل أنفق من مالك في سبيل الله, و ساهم في مشروعات الخير, قف بسيارتك أمام بائعي التسجيلات النافعة, وأمام مكتبات التراث الإسلامي, قف عندها وأخرج ريالات و لو معدودة, واشتر بها أشرطةً تسمعها, و كتباً تقرأها, وإذا فرغت منها فادفعها إلى زملاء العمل, أو زملاء الدراسة, بذلك ستكون داعية من دعاة الإسلام, وإن وقعت في بعض المخالفات, فلعل الله بصنيعك هذا يرحم قلبك, ويهديك إلى الهدى والنور, وكن دائم التضرع إلى الله بقبول العمل, والتوفيق للتوبة, أحبتنا لكننا جميعاً بلا استثناء يداً واحدة لخدمة الإسلام, ولا يحقرن أحد نفسه, ولا يلقين بالمسئولية على غيره, ليبادر إلى إنقاذ هذه الأمة المخدرة, وهذه الإنسانية المعذبة, ما دمنا قادرين على العمل فينا روح الشباب, ونخوة الكرام, ولا تهولك آخي الكريم و لا تغرك أيها الحبيب صولة الباطل وجولته, وكثافة الشر وكثرته, فالله يقول: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) ) (الأنبياء:18) .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
[1] رواه البخاري (63) من حديث أنس بن مالك t .
[2] ورقمه (2808) من حديث البراءt
الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، خص أمتنا بما لم يخص به غيرها من الأمم، وفضل ملتنا على سائر الملل، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخاتم الأنبياء وأفضلهم- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الأخيار الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.