فهرس الكتاب

الصفحة 8439 من 9994

أيها الأحبة في الله: إن ثمة عوامل متعددة, و أسباباً مهمة أفرزت ذلك النجاح الباهر, وحققت ذلك الإنجاز المعجزة, يقف على رأسها قوة العزيمة, وصلبة الإرادة, هذه مدينة النبي صلى الله عليه و سلم تموج و تضطرب, حيث ذهلت النفوس, وحارت العقول, وتشنجت الأعصاب, وذهب الحزم و الصواب, وقد أشعل ذلك الإعلان المهيب وأشعل الفتنة, فارتدت القبائل عن الإسلام, وعطلت الجمعة فلم تعد تقام إلا في مكة والمدينة, في مثل هذه الفتنة العمياء, ومواجهة المرتدين بحزمٍ بأس نادرين, فيأتيه أعقل الناس, و أشدهم بأساً في دين الله, يأتيه عمر فيقول: ياخليفة رسول الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله rأمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله, كيف تقاتلهم يا خليفة رسول الله ؟ فيجيبه الصديق بلغة الواثق, ومنطق المطمئن, والله لأ قاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه, إنها العزيمة الحديدية, و الإرادة الفولاذية, التي لا تصلح السياسة إلا بها, لقد كان الصديق بدهائه الخارق, يدرك أن أي إبطاءٍ في تأديب المرتدين الساخرين من شرائع الإسلام, الراغبين في خلخلة وحدةِ الأمة, من خلال تصرفاتهم اللامسؤولة, كان يدرك أن أي إبطاءٍ في تأديب هؤلاء, كفيل بإحداث انهيار مدمر, وشرخ خارق في صرح الإسلام, ذلك الصرح الذي بني بدماء القتلى والشهداء, و سُقي بأنهار من الدموع والبكاء, إنك لتعجب من موقف أبي بكر وإصراره على قتال المرتدين, ولكنك تعجب أكثر من عزمه في الوقت نفسه على إنفاذ جيش أسامة, الواقف على أطراف المدينة, ويقسم صادقاً والله لا أُحل عقدة عقدها رسول الله r , حتى لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين, و حتى لو لم يبق في المدينة غيري, هذه العزيمة الخارقة, والإرادة الصلبة, سر من أسرار نجاحهم, وعامل من عوامل إبداعهم, و أما الثاني فيتضح لك من خلال مشهد ذلك الأعرابي, يوم دخل على رسول الله r فقال: (( يا ابن عبد المطلب, أسألك بربك ورب من قبلك ءآلله أرسلك, قال: نعم قال الله أمرك أن نصلي خمس مرات في اليوم والليلة ؟ قال: نعم قال الله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال:نعم , قال الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة فتدفعها للفقراء والمساكين, قال: نعم, قال الأعرابي آمنت بك يا محمد و بما جئت به, وأنا ضمام ابن ثعلبة, وإني رسول من ورائي من قومي ) ) [1] .

تأمل يرحمك الله فلقد أعلن ضمام إسلامه في الحال, و أعلن على الفور بأنه سيكون داعية الإسلام في قومه, فلم تكن مسافة زمنية تذكر بين تعلم ضمام مبادئ الإسلام, وبين انطلاقته داعياً إلى تلك المبادئ, لقد شعر بواجبه بداهةً, و حتى قبل أن يتلقى من النبي أمراً أو توجيهاً بضرورة العمل, إذ أن ذلك أمرٌ بديهي في حس المؤمن, لا يحتاج إلى تأكيده والإلحاح به, لا بكاء الخانعون المؤثرون للعافية و السلامة, فالشعور بضرورة العمل, ووجوب البلاغ والدعوة أمر منتهى, ومسالة محسومة في حس الصحابة رضي الله عنهم, إنك لتجد كما في صحيح البخاري, أن رجلاً مقنعاً بالحديد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله أسلم أو أقاتل ؟ قال بل أسلم, ثم قاتل فأسلم فقاتل حتى قتل )) [2]

هذا الرجل يشعر بفطرته, ويدرك بجبلته بحتمية العمل, و تنتابه رغبة شديدة في الجهاد, بالرغم من أن فكرة الإسلام لا زالت مجرد هاجس في ذهنه, لم تترجم بعد إلى إعلان حقيقي, مع هذا يأتي متسائلاً أيسلم أولاً, أم يقاتل أولاً ؟ وأما العامل الآخر من عوامل نجاحهم, فهو إيثار ماعند الله, وتقديم الآخرة على الفانية, هذا أبو حيثمة يرجع إلى أهله في يوم شديد الحر لافح السمومِ, فيجد آمراته في عريش لهما داخل بستان, وقد رشت كل واحدة منهما عريشها, وبردت فيه ماءً, وهيأت طعاماً, فلما دخل وقف على باب العريش, فنظر إلى زوجتيه ما صنعتا له, فقال رسول الله في الضح والريح و الحر, و أبو حيثمة في ظل بارد, وطعام مهيأ, وامرأة حسناء, ما هذا بالعدل, ماهذا بالعدل, والله لا أدخل عريشاً واحدةٍ منكما, حتى التحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيأ زاداً فارتحل عليه لاحقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك, انظر يا رعاك الله, كيف يكون الزهد في العرض الزائل والمتاع الرخيص, إيثاراً لما عند الله, ماءٌ بارد, وطعامٌ مهيأ, وزوجة حسناء, وروضة غناء, فلا يكترث لشيء منها, ولا يلتفت يعبأ بها, ولكن هيئوا لي دابتي, واحزموا لي متاعي, فليس من الإنصاف أن أهنأ بالنعيم ورسول الله في الضح والحر.

أيها الأخ المبارك: ولئن عجبت من زهد أبي حيثمة, و إصراره على اللحاق برسول الله صلى الله عليه و سلم يوم تبوك, راكباً بعيره مستقلاً دابته, فأعجب منه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه, حين ركب بعيره لاحقاً برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى تبوك أيضاً, فيستعصي عليه بعيره, و يصعب عليه قياده, وينطلق ماشياً على قدميه يشق المغاور وحده, تحرقه الشمس ويلفحه السموم, وتسمه الريح, فلما هذا يا صاحب رسول الله ؟ أما كان يسعك أن تتعجل عائداً إلى المدينة بعد أن فقدت الظهر, واستعصت عليك دابتك, لما كل هذا العناء ؟ لما كل هذا الشقاء ؟ لما كل هذا يا صاحب رسول الله ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت