قال أحمد: لما قدمت على المعتصم، قال لي: أدنه أدنه، فقلت: أتأذن لي؟ فتكلمت فقال: ويحك لولا أنني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ويحك يا أحمد: أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك، وأركب إليك بخيلي، فقلت: يا أمير المؤمنين: أعطني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به.
فيقول المعتصم ناظروه كلموه، فيتكلمون فيحجهم أحمد فيقول ابن أبي داؤد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مبتدع، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم، [وهذه حجة المبتدعة في كل زمن إذا عجزوا عن الرد العلمي على أهل السنة عادوا عليهم بالسب والتضليل والتكفير ولمزهم بالألقاب] .
قال أحمد: فلا يزالون يتكلمون ويعلو صوتي على أصواتهم حتى ينقطعوا.
فقال المعتصم: يا أحمد أتعرف صالحا الرشيدي؟! كان مؤدبي وكان في هذا الموضع ـ وأشار إلى ناحية من الدار ـ فتكلم وذكر القرآن فخالفني فأمرت به فسحب ووطىء.
وكان المعتصم يقول: والله إنه لفقيه ووالله إنه لعالم، ويسرني أن يكون مثله معي، يرد عني أهل الملل، ولئن أجابني إلى شيء فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، ولأطئن عقبه، ولأركبن إليه بجندي، ثم يلتفت إلى أحمد ويقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟
فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: يا أحمد إني عليك لشفيق.
فلما ضجر المعتصم من أحمد أمر بجلده بالسياط.
قال أحمد: في اليوم الذي خرجت فيه للسياط ومدت يداي للعقابين إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول: تعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو الهيثم العيار، اللصُّ الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين إني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر فأنت في طاعة الرحمن لأجل الدين.
فكان الإمام أحمد دائما يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم، [وهذا يدل على أن أهل المعاصي، خير من أهل البدع، وأقرب إلى الخير منهم، فإن العاصي إذا عصى استغفر، وأما المبتدع فيرى بدعته دين، ولا يزال في ضلال وعماية ومحاربة لأهل السنة لأنه يرى أنهم يصدونه عما يراه دينا فلا يزال في حربهم وعدائهم، وكلما ازداد في بدعته كلما ازداد في حقده، فكيف يوفق للتوبة؟! ولذا قال ابن عباس:"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منه، والبدعة لا يتاب منها"] .
ثم قدم الإمام أحمد للجلد في حضرة المعتصم: فكان يقول للجلادين تقدموا.
قال أحمد: فكان الجلاد يتقدم فيضربني سوطين ويتنحي، وهو في خلال ذلك يقول: شدّ قطع الله يدك، حتى سقط أحمد مغشيا عليه.
قال بعض الجلادين: ضربته ضربا لو كان بجمل لسقط مغشيا عليه.
ثم لما أفاق مما غشاه من جلد السياط، تلخعت يداه، وقطع اللحم الميت من ظهره، وكسرت له أضلع فلما سحبها الطبيب المعالج غشي عليه من الألم.
ومما يدل على أن أهل البدع والأهواء إذا نالوا سلطة وقربا من الحاكم فإنهم أعتى الناس وأظلمهم، ولا يزالون يحرضون المسؤلين على أهل الحق، ويشوهون صورتهم، ويشون بهم، قول الإمام أحمد رحمه الله:"رأيت المعتصم في الشمس قاعداً بغير ظلة، فربما لم أعقل وربما عقلت، إذا أعاد الضرب ذهب عقلي فلا أدري فيرفع عني الضرب، فسمعته يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبتُ إثما في حق هذا الرجل، فيقول ابن ابي دؤاد: يا أمير المؤمنين إنه والله كافر مشرك، وقد أشرك من غير وجه، فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، وقد كان أراد تخليتي بغير ضرب فلم يدعه، وعزم حينئذ على ضربي".
وهذا مما يدل على أن الحاكم وإن كان له معاصي فهو أرحم بأهل السنة من أهل البدع، وأنه لا يحاربهم لدينهم، وأما صاحب البدعة فلا يزال يحارب أهل السنة بكل سبيل، ظلماً وكذباً وعدواناً، ويتسع أفقه لحوار العلماني والزنديق، ولا يرضى بنصح السني للمسلمين لأنه يبين طريقته الخارجة عن منهج السلف، فليت أهل البدعة يعاملون أهل السنة بنفس الميزان الذي يعاملون به أعداء الله ورسوله من العلمانيين والمنافقين، ولا يذهبون للتدقيق بألفاظ أهل السنة لعلهم يظفرون بشيء يتعلقون به.
وأين يذهب أناس من أهل البدع ـ من الله عز وجل ـ وهم يدَّعون الإنصاف، وأنه لا بد من ذكر الحسنات والسيئات، وهم يريدون أن يكتموا صوت السني حتى لو تكلم بأمور الفقه والأخلاق، وتصحيح سلوك الناس لأنه لا ينتمي لمشربهم وحزبهم..
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
فلا ننظر للحكام دائما من باب سوء الظن لأن هؤلاء وإن كان عندهم شيء من المعاصي، فإنهم لا يحاربونك في دينك، ولا يفتنونك في عقيدتك، ولا يريدون كتم صوتك إن كنت رجلا سنيا عاقلا تعلم الناس دون فتن، بل ولعله في الغالب إنْ حصلت فتنة لصاحب سنة في دينه من حاكم أو مسؤول فلا بد أن يكون وراءها صاحب بدعة يظهر الزهد والتخشع والنصح، [وقارنوا بين موقف ابن أبي داؤد المبتدع وأبي الهيثم اللص العاصي، كيف كان ابن أبي دؤاد عدوا لله ورسوله قاس على أهل الحق، وكيف كان ذلك اللص موفقاً لقول الحق رحيما بأهل السنة لأنه على الفطرة، حتى إن إمام أهل السنة يدعو له] .
قال أحمد: أمر المعتصم بإطلاقي فلم أعلم حتى أخرج القيد من رجلي، وقال له ابن أبي دؤاد بعدما ضربت وأمر بتخليتي، يا أمير المؤمنين: احبسه فإنه فتنة يا أمير المؤمنين، إنه ضال مبتدع وإن خليته فتنت به الناس، وقال غيره: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي.
فقال: أطلقوه، وقام فدخل، فحينئذ عقلت بالقيد وقد نزع من رجلي.
وجاء أن أحمد قال: لي ولهم موقف بين يدي الله تعالى، وكتب بها إلى المعتصم، فقال: يخلى سبيله الساعة.
وقال المعتصم لابن أبي دؤاد وأصحابه: ليس هذا كما وصفتم لي، وذلك أنهم وضعوا من قدره عنده، ونالوا منه وصغروه عنده، فلما شاهده ورأى ما عنده عرف فضله.
قال أحمد: لولا الخبيث ابن أبي دؤاد، كان أبو إسحاق المعتصم قد خلاني، ولكن هو وإسحاق بن إبراهيم قالا له: يا أمير المؤمنين.. ليس من تدبير الخلافة أن تخالف من قبلك وتخلي سبيله، ولولا ذلك كان أبو أسحاق المعتصم قد أراد تخليتي قبل الضرب، وقد أراد ابن أبي دؤاد أن يحبسني بعد الضرب، فقال أبو إسحاق المعتصم: يخلى، فعاوده فغضب وقال: يخلى عنه، فلم أعلم إلا بالقيد وقد نزع مني.
وقد قيل إن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل يوم فتح عاصمة بابك، وظفر به أو في فتح عمورية، فقال: هو في حل من ضربي، وقال: قد جعلته في حل إلا ابن أبي دؤاد ومن كان مثله فإني لا أجعله في حل، فتأملوا..
ولما ولي الواثق عام مائتين وتسعة وعشرين، حسّن له ابن أبي دؤاد امتحان الناس بخلق القرآن ففعل ذلك، ولم يعرض لأحمد بن حنبل لما علم من صبره، وخاف من تأثير عقوبته، لكنه أرسل إليه ألا تساكني بأرض، فاختفى بقية حياة الواثق، فما زال ينتقل في الأماكن، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر، فاختفى فيه إلى أن مات الواثق.
وفي عام مائتين واثنين وثلاثين تولى المتوكل رحمه الله، فنصر الله به الدين، وأقام به السنة، وأظهر عقيدة السلف أهل السنة ودعا إليها، بعد ابتلاء أهلها وفتنتهم وامتحانهم على عهد ثلاثة من الخلفاء قبله.
قال أحمد بن هلال القاضي:"رأيت المتوكل بعد موته فإذا عليه ثياب بيض، فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بثلاث: بإظهاري للسنة، وبنياني مسجد الجامع، وقتلت مظلوما".