فهرس الكتاب

الصفحة 8333 من 9994

وكان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبلل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه".

فإذا مات ابن آدم قامت قيامته، وعاين جزاءه في قبره، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.

إن القبر بيت الرعب والأهوال، وبيت الوحشة والانفراد، من كان له عمل صالح استأنس به، ومن كان له عمل سوء ازدادت وحشته وعذابه، وهو أعظم معتبر لمن أراد الذكرى والاعتبار، من أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة".

ومن رحمة الله بعباده أن أخفى عليهم ما يجري في القبور من التعذيب الذي لا يطوله وصف ولا يدركه عقل، ولو سمعوا ذلك أو رأوه لما طاب لهم مقام، ولم يهنأ لهم عيش ولترك بعضهم دفن بعض، قال صلى الله عليه وسلم:"لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه".

وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أقواما يعذبون في قبورهم تحذيرا لنا أن نسلك طريقهم، وبيانا منه صلى الله عليه وسلم أن عذاب القبر حق وأنه واقع على من استحقه، لا يزال فيه إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى.

كما ذكر لنا أوصاف، من اتصف بها حق أن يكون من المعذبين في قبره.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"".

فهما يعذبان بسبب ذنبين في ظن كثير من الناس أنهما هينان، ولكنهما عند الله من كبائر الذنوب التي يستحق صاحبها العذاب بسببه، أما أحدهما فكان لا يتطهر من بوله ولا يتنظف، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير فقال:"استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه".

فلا بد للمرء أن يحتاط وأن يستنجي من بوله لأنه نجس، فإذا مس ملابسه أو بدنه ولم يغسل أثره، فتبطل صلاته حينذاك.

وأما الآخر المستحق لعذاب القبر مَن مشى بين الناس بالنميمة: وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد بينهم، فيتسبب بقطيعة الأرحام، وقطع أواصر الأخوة وزرع الشحناء والبغضاء بين المسلمين، وربما تسبب بوقوع القتل بين المسلمين.

ولذا فقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النميمة بقوله:"لا يدخل الجنة نمام".

وكم حصل بين المسلمين من الفتن بسب النميمة، وبعضهم ينقل الكلام بين الناس دون النظر في العواقب، ويرى أن هذا هين، وهو عند الله عظيم.

فاحذروا عباد الله من النميمة واعلموا أن المرء محاسب على ما يتلفظ به.

والعجيب أن بعض الناس ينقل الكلام دون مصلحة فيه، وبعضهم ينقل الكلام بين الناس دون تثبت، فإذا به قد زرع الشقاق وإفساد ذات البين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين".

ومما يعذب بسببه العبد في قبره: (الكِبر والخيلاء) ، قال صلى الله عليه وسلم:"بينما رجل يمشي في برديه يتبختر قد أعجبته نفسه إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".

فالكبر ذنب عظيم وعلامته احتقار الناس ورد الحق على من جاء به وعدم قبوله، وهذا في الناس كثير، منهم من يتكبر لنسبه، ومنهم من يتكبر لماله، ومنهم من يتكبر لجاهه، فإذا عاين الحقيقة علم أنه ما كان إلا في غرور:"وأن من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".

لما حضرت الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور الوفاة قال لمن عنده: هذا السلطان ـ أي: الموت ـ لا سلطان لمن يموت.

ولما حضرت المأمون الوفاة اضطجع على متاع دابته وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم اليوم من زال ملكه.

فإذا كان هذا حال من ملكوا الدنيا فكيف بفقير مستكبر لا يرى الناس شيئا وكأن أحداً لا يدانيه منزلة.

وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ـ ورؤيا الأنبياء حق ـ صوراً من تعذيب بعض أهل المعاصي بسبب ذنوبهم:"فقد رأى رجلا يُكسَر رأسه بالحجر ثم يعود كما كان ثم يكسر مرة أخرى يفعل به هكذا إلى يوم القيامة، ورأى رجلا يقطع شدقه إلى مؤخرة رأسه ومنخره وعينه كذلك، ورأى رجلا يسبح في نهر من الدم، ورجل قائم على حافة النهر فإذا جاءه فتح فمه فألقمه حجرا.."، وأن هؤلاء يفعل بهم هكذا إلى يوم القيامة.

فلما سأل مَن هؤلاء؟ قيل له:"أما الرجل الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر (أي: يكسر) ، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلقَم الحجر فإنه آكل الربا".

فهذه صور لبعض الأسباب التي تؤدي بصاحبها إلى العذاب في قبره، فأحدهم رجل ينام عن صلاة الفريضة فلا يصليها في وقتها ولا يعمل بأحكام القرآن الكريم، فكان جزاؤه أن يبقى في هذا العذاب المستمر في قبره إلى يوم القيامة.

وكم هم أولئك الذين تخلفوا عن الصلوات فلا يحضرون إلا الجُمَع فليحذروا من هذا الوعيد الشديد.

وليحذر المرء أن يجعل الكذب له مهنة سواء كان مازحا أو جادا خشية أن يكون له نصيب من هذا الوعيد الشديد، والأدهى من ذلك جعل اسم الله له بضاعة يحلف به كاذبا ليأكل حقوق الناس بالباطل.

والعجيب أن بعض الناس يكذب لا لحاجةِ ولا اضطرار فقط ليتحدث في المجالس ويستجلب الأنظار فيُنسى حديثه ويبقى الإثم مكتوبا عليه في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى.

ومن هؤلاء المعذبين: آكل الربا الذي يعذب بهذا العذاب إلى يوم القيامة.

فيا أيها المسلمون الذين تسمعون هذا الوعيد الشديد المخيف هل سيكون هذا دافعا لكم للخروج من هذا الإثم العظيم، فتعاهدون الله على التوبة من الربا قبل حلول الأجل دونما مهلة؟

ومما يعذب العبد عليه في قبره: (الغيبة) وهي أن تذكر أخاك بما يكرهه، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فيعذب في البول وأما الآخر فيعذب في الغيبة".

وما أكثر وقوع الغيبة بين الناس هذه الأيام يتكلمون فيما لا يعنيهم ويوردون نقائص الناس دونما سبب ولا عذر، إنما لمرض في نفوسهم ولإطفاء نار غيظهم ولإشفاء غليلهم، حسداً من عند أنفسهم، ولا يسلم من هذا المرض إلا من رحمه الله، ولما تزرعه الغيبة من الفساد بين الناس والكذب والبهتان استحق صاحبها هذا الوعيد الشديد.

فحري بالمسلم أن يترك فضول الكلام في تتبع عورات الناس، ومن نظر في عيبه ونقصه لم يتجرأ أن يتوجه لأحد بالطعن والتنقيص، ولكن المصيبة أننا في زمن كلُّ يدعي الكمال فيه.

ومن أسباب عذاب القبر النياحة على الميت، لقوله صلى الله عليه وسلم:"الميت يعذب بما نيح عليه"، وهذا إن أوصى أهله بالنياحة عليه كما قيل:

إذا مت فابكيني بما أنا أهله وشقي علي الثوب يا أم معبد

وإن علم أن من عادة أهله النياحة فالواجب عليه أن يوصيهم بعدم النياحة عليه حتى لا يكون له نصيب من هذا الوعيد.

والنياحة حرام، و.."النائحة إن لم تتب قبل موتها أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب"كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فتعذب يوم القيامة بأن تلبس ثوبا من الحديد المذاب ودرعا من جرب تعذب به في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت